تعثر اللقاء الثلاثي.. وبري: الثوابت غير قابلة للمقايضة

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
يدخل لبنان مرحلة مصيرية تتقاطع فيها الضغوط الأميركية والإسرائيلية مع انقسام داخلي بين من يرى التفاوض ضرورة لحماية البلد، ومن يعتبره مدخلاً لفرض وقائع تمسّ المقاومة والسيادة. وفيما تتحول الهدنة إلى غطاء لمحاولة إسرائيل فرض أمر واقع أمني جديد، مع استمرار الضربات وتكريس معادلة تجعل الجنوب ساحة مفتوحة تحت الوصاية بالنار، تدفع واشنطن لبنان نحو خيارات قاسية تتصل بدور الدولة والجيش ومستقبل سلاح حزب الله، ما يضع السلطة أمام مفترق بالغ الحساسية.

وفي خضم هذا المشهد، سقطت محاولة ترتيب اللقاء الذي كان مقرراً اليوم بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ورئيس الحكومة نواف سلام، والذي كان يفترض أن يشكّل صمّام أمان سياسي، قبل أن يبصر النور.

مصادر سياسية تشير إلى أن قرار رئيس مجلس النواب بإلغاء الاجتماع جاء ترجمة مباشرة لاعتراض سياسي عميق على مضمون وخلفيات خطاب رئيس الجمهورية، وما حمله من إشارات اعتُبرت خروجاً عن السقوف التي تمسّك بها هذا الفريق، لا سيما أن كلام عون سبق المواقف التي صدرت عن الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم.

في الأصل، لم تولد فكرة اللقاء من فراغ، بل جاءت في سياق محاولة احتواء الاحتقان الداخلي، وإعادة ضبط الإيقاع السياسي المتفلّت على وقع التصعيد الميداني والضغط الدولي المتزايد، وطرحها الموفد السعودي يزيد بن فرحان على قاعدة إنتاج صورة تلاقي بين الرئاسات، تعيد تثبيت حدّ أدنى من التماسك الرسمي، خصوصاً أنه أكد دعم العلاقة بين الرؤساء الثلاثة. وبحسب المصادر، لم يبد بري اعتراضاً على اللقاء، بل تعامل بإيجابية مشروطة، إدراكاً منه لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق نحو مزيد من الانقسام، إلا أن كل شيء بات متوقفاً، طالما أن اسرائيل لم تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار.

ما بدا قابلاً للبناء عليه، سرعان ما تعثّر. فمع تحديد المواعيد، ظهرت أولى إشارات التباين في التفاصيل، قبل أن ينفجر الخلاف في الجوهر. فأوساط سياسية تشير إلى ان الرئيس بري، الذي كان يعتزم استخدام اللقاء لتجديد تأكيد موقفه الرافض لأي تفاوض مباشر مع إسرائيل قبل تحقيق مجموعة من الثوابت، وجد نفسه أمام خطاب رئاسي يذهب، أبعد من مجرد فتح نقاش، ليلامس تبنّي مقاربات واردة في البيان الأميركي حول تفاهم لبناني – إسرائيلي وهذا ما اعتبر، انقلاباً على الأولويات في حين أن الثوابت التي يضعها بري مدخلاً إلزامياً لأي بحث لاحق والتي تبدأ من وقف العدوان، إلى الانسحاب، مروراً بتحرير الأسرى، وعودة الأهالي، والإعمار لم تكن، في حساباته، بنوداً تفاوضية، بل شروطاً تأسيسية لا يمكن القفز فوقها أو الالتفاف عليها.

ومن هنا، ترجح الاوساط السياسية ان غياب بري عن القصر اليوم مرده أن اللقاء، بدل أن يكون مساحة لتقاطع المواقف، قد يتحوّل إلى منصة لتكريس تباين جوهري، أو لإنتاج صورة توحي بإجماع رسمي على خيارات لم تنضج داخلياً.

في المقابل، كان الرئيس عون يسعى، بحسب هذه الأوساط إلى تثبيت مشهدية سياسية مختلفة، اذ أنه كان يسعى الى ان يكون اللقاء الرئاسي الثلاثي إشارة إلى وجود غطاء رسمي موحّد لمسار معيّن، ولو بالحد الأدنى. غير أن خطابه الأخير، وما تضمّنه من إشارات اعتُبرت متقدمة، أطاح بهذا المسعى، رغم محاولته لاحقاً احتواء التداعيات عبر رسالة توضيحية إلى بري، وفي هذا السياق، نشطت الاتصالات في الساعات الماضية على خط مستشار رئيس الجمهورية ديديه رحّال، والمعاون السياسي لرئيس المجلس النائب علي حسن خليل، إلا أن الأمور لم تكن قد تبلورت حتى مساء أمس، ما يعني أن اللقاء، الذي لن يُعقد اليوم للأسباب آنفة الذكر، قد يُعقد في موعد لاحق إذا تبلور موقف سياسي جديد ومختلف من بعبدا، لا سيما أن بري يعتبر أن الثوابت هي ثوابت غير قابلة للمقايضة تحت أي ظرف، وأن الموقف من التفاوض المباشر لم يتبدّل، وفي الوقت نفسه يعمل على احتواء ما حصل فضلاً عن تأكيده المستمر، ومنذ بداية الحرب، على أهمية الحفاظ على الوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي.

بذلك، لم يكن إلغاء الاجتماع مجرد ردّ فعل على خطاب، بل تعبيراً عن فقدان الثقة بإمكان إنتاج أرضية مشتركة في هذه المرحلة. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها اشتباك سياسي مفتوح بين مقاربات متناقضة: مقاربة تُصرّ على ترتيب الأولويات انطلاقاً من الوقائع الميدانية والسيادية، وأخرى تبدو أكثر استعداداً للانخراط في مسارات تفاوضية لحماية ما تبقى من بلد في المقابل، يبقى الرهان، وفق مصادر سياسية، على أن يفضي أي تقدّم جدي في المفاوضات الأميركية – الإيرانية إلى فتح نافذة لخفض التوتر، بما ينعكس على الداخل اللبناني ويعيد خلط الأولويات السياسية.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق