في كتابها «حدوتة ع الماشي» الصادر عن دار أطياف للنشر، تعيد الكاتبة لميس جابر إحياء سيرة اثنين من أعلام الطرب في القرن التاسع عشر، هما ألمظ وعبده الحامولي، كاشفة عن تفاصيل إنسانية غابت عن الوعي الشعبي، الذي لم يحتفظ منهما إلا بالأسماء أو بما قدمته الدراما عنهما.
تشير الحكاية إلى أن كليهما نشأ في بيئة شديدة الفقر، حيث لم تمهد لهما الحياة طريقًا سهلًا نحو المجد، فلم يكن والد الحامولي سوى «صييط» بسيط، بينما لم يكن والد ألمظ مطربًا أو موسيقيًا كما قد يتخيل البعض، أما ألمظ نفسها، فكانت تعمل في أعمال شاقة، تنقل التراب والجير، في حين كان عبده يعمل قهوجيًا بالأجر اليومي، ورغم قسوة الظروف، كان لكل منهما موهبة فطرية كامنة، تنتظر لحظة الاكتشاف.
جاءت تلك اللحظة حين استمعت المطربة الشهيرة ساكنة بيه إلى صوت ألمظ وهي تغني بين العمال، فأدركت تفرد صوتها، وقررت أن تضمها إلى فرقتها، ومع مرور الوقت، استطاعت ألمظ أن تثبت حضورها، حتى تفوقت على أستاذتها، واحتلت مكانة مرموقة، لتصبح المطربة المفضلة في سرايا الحكم.
وعلى الجانب الآخر، بدأ عبده الحامولي رحلته من المقهى، حيث لفت انتباه رواده بصوته، فتتلمذ على أيدي كبار الملحنين والمطربين، حتى ذاع صيته، ووصل إلى بلاط الخديوي إسماعيل، ليصبح مطربه المفضل.
في أروقة السرايا، تلاقت روحاهما، ونشأت بينهما قصة حب تغذيها الأغاني، كانت ألمظ تغني له عن صعوبة الوصال، بينما يبادلها الحامولي غناء يفيض حبًا وحنينًا، وتوجت هذه القصة بالزواج، غير أن الحامولي، متأثرًا بتقاليد عصره، قرر أن تعتزل ألمظ الغناء، وهو قرار لم يلتفت فيه إلى غضب السرايا أو حتى الحاكم.
لكن القدر لم يمهلهما طويلًا، إذ رحلت ألمظ بعد فترة قصيرة من زواجهما، تاركة خلفها قلبًا منكسرًا، عبر الحامولي عن حزنه في أغاني شجية، كان يبكي بها ويبكي سامعيه، مستعيدًا ذكرى حبيبته التي لم تفارقه حتى بعد رحيلها، وقد روي أن صورتها ظلت إلى جواره حتى وفاته، رغم زواجه لاحقًا، وكأنها بقيت الحضور الأعمق في حياته.

















0 تعليق