الدكتور محمود إبراهيم يكتب: مصر وإشكالية الهوية (6)

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

تعتبر شبه جزيرة سيناء واحدة من المناطق الجغرافية ذات الأهمية التاريخية والاستراتيجية الكبرى في العالم، وتقع شبه جزيرة سيناء في الجزء الشمالي الشرقي من مصر، ويحدها من الشمال البحر المتوسط ومن الجنوب البحر الأحمر، وتشكل شبه جزيرة سيناء حلقة وصل بين قارتي آسيا وأفريقيا، وتمتد على مساحة 60 ألف كيلومتر مربع.

وتتميز سيناء بتنوع تضاريسها التي تشمل سلسلة جبال شاهقة الارتفاع في الجنوب، وهضبة تنحدر نحو الشمال في الوسط، ومنطقة سهلية في الشمال. واستوطن الإنسان شبه جزيرة سيناء منذ عصور ما قبل التاريخ، حيث عثر على آثار تدل على وجود مجتمعات بشرية اعتمدت على الصيد وجمع الثمار.

وبازدياد النشاط السكاني في مصر أصبحت سيناء ممرا تجاريا هاما يربط مصر تجاريا بآسيا، وعرفت شبه جزيرة سيناء في التاريخ المصري القديم بأرض الفيروز، حيث كانت مصدرا رئيسيا للنحاس والفيروز وغيرهما من المعادن التي استخدمها المصري القديم في الصناعات والحرف المختلفة التي مارسها.

وازدهرت في ذلك الوقت، وأرسل ملوك مصر بعثات لاستخراج المعادن من جبال وهضاب ودروب سيناء، وقد وصلت إلينا مجموعات من النقوش على الصخور، وتعتبر هذه النقوش وثائق هامة لسير هذه الرحلات والإنجازات.

في العالم القديم خضعت سيناء للنفوذ الأجنبي وسيطر عليها الهكسوس، كما سيطروا على أجزاء كثيرة من مصر، وبمرور الوقت ازدادت أهمية سيناء كمعبر تجاري وممر للقوافل التي تنقل البضائع بين مصر وبلاد الشام وبلاد الرافدين.
ولم تتغير أهمية سيناء الاستراتيجية باحتلال الفرس لمصر، وبالتالي أصبحت سيناء جزءا هاما من الطريق الملكي الذي يربط مركز الإمبراطورية الفارسية، وخاصة السوس (بالفارسية: شوش) في إيران، وبين مصر، وهذا الطريق كان يستخدم في نقل الرسائل والبضائع، مما ساهم في تعزيز التواصل بين مختلف أجزاء الإمبراطورية الفارسية.

وبمرور الزمن شهدت شبه جزيرة سيناء تحولات سياسية كبرى في العصور الرومانية والبيزنطية، وما جرى على مصر من احتلال الرومان والبيزنطيين لها، كان لا بد أن ينعكس على شبه جزيرة سيناء، ومع ذلك فإن أهمية شبه جزيرة سيناء كانت تزداد تدريجيًا، وخاصة مع انتشار المسيحية في العالم الروماني والبيزنطي، وصارت شبه جزيرة سيناء مكانا محببا للرهبان للعيش فيها في أديرة بُنيت فوق الجبال وفي الدروب المختلفة لشبه جزيرة سيناء.

وفي تلك المرحلة كان عبور العائلة المقدسة ورحلتها إلى مصر عبر شبه جزيرة سيناء حدثا تاريخيا مهما، كما شهدت مصر بناء أهم الأديرة بها وأشهرها وهو دير سانت كاترين الذي يعتبر من أقدم الأديرة ربما في العالم كله، وقد بناه الإمبراطور جستنيان الأول.

ومن سيناء عبرت الرهبنة إلى الأناضول ثم دخلت القارة الأوروبية، ويقع دير سانت كاترين عند سفح جبل سيناء المعروف بجبل حريب، والذي يعتبر موقعا مقدسا أيضا بالنسبة للديانة اليهودية، حيث تجلى الله لموسى عليه السلام في العليقة المشتعلة.
كما يعتبر هذا الموقع مقدسا للمسيحيين، بحيث يُعتقد أن الدير يحتفظ ببعض من أقدم المخطوطات المسيحية، ويعتبر دير سانت كاترين من أكثر الأديرة في العالم حفظا للمخطوطات المسيحية بعد الفاتيكان.

وجاء الإسلام الذي آمن أتباعه بكل الديانات السابقة عليه، وازدادت أهمية شبه جزيرة سيناء بعد الإسلام، حيث جاءت جيوش المسلمين عبر شبه جزيرة سيناء في اتجاه مصر، وذكرت سيناء في آيات القرآن الكريم، كما يعتبر جبل الطور الذي يُعتقد أنه جبل سيناء المذكور في القرآن مكانا مقدسا.

وظلت شبه جزيرة سيناء رمزا للتواصل الروحي والثقافي بين شعوب آسيا ومصر، وعلى الرغم من أهمية سيناء الجغرافية وكونها رئة مصر التي تتنفس من خلالها هواء الشرق، إلا أنها كانت دائما منطقة نزاع وتنافس بين القوى الإقليمية التي كانت ترغب في السيطرة على مصر.

وإذا تحدثنا عن أهمية سيناء العسكرية لمصر لوجدنا أنها منذ العصور القديمة كانت الطريق الحربي لمرور الجيوش المصرية نحو بلاد الشام، ومن هنا أقام المصريون العديد من الحصون والقلاع العسكرية في المناطق الاستراتيجية في سيناء، وذلك من أجل حماية الحدود المصرية في الشرق.

وفي العصور الوسطى مرت بها الحملات الصليبية التي دخلت إليها للوصول إلى الأراضي المقدسة، والذين أدركوا أن السيطرة على مصر وشبه جزيرة سيناء هو الضمان لنجاح حملاتهم العسكرية.

وازدادت أهمية سيناء مع حفر قناة السويس باعتبارها الشريان الأهم لتجارة العالم، ولذا دارت حولها الحروب المختلفة، مثل حرب السويس سنة 1956 وحرب 1967 التي انتهت باستيلاء إسرائيل على شبه جزيرة سيناء واحتلالها.
وضرب أهل سيناء من المصريين أروع الأمثلة في الانتماء والتمسك بالهوية المصرية، وظلت سيناء ميدانًا للمعارك العسكرية فيما عُرف باسم حرب الاستنزاف، حتى انتهت بانتصار الجيش المصري في حرب أكتوبر 1973.

وبمرور الوقت وتعدد وتعقد الصراعات الاقتصادية والسياسية والعسكرية في العالم، ظلت شبه جزيرة سيناء تتمتع بمكانتها الاستراتيجية، تحمي أهم الممرات المائية، وهو ما جعل مصر تهتم بتعمير أراضي شبه جزيرة سيناء، وإقامة المشروعات الضخمة لاجتذاب الاستثمارات الاقتصادية سواء من جانب القطاع الخاص أو الحكومي أو الإقليمي، وربما كان تعمير سيناء واكتساب الكثافة السكانية إليها من الوادي الضيق في مصر له أكبر الأثر في تأمين حدود مصر في ظل التوتر الذي يسود منطقة الشرق الأوسط وما يحمله من تحديات أمنية وسياسية.

وتنوعت المقاصد السياحية في سيناء، وتأتي السياحة الدينية من خلال المواقع المختلفة بمرور العائلة المقدسة في رحلتها إلى مصر، بالإضافة إلى الأديرة المختلفة وأشهرها دير سانت كاترين وشجرة العليقة وجبل التجلي، وكلها أماكن دينية فريدة لا يوجد مثيل لها في العالم.

وتعتبر السياحة العلاجية في سيناء من الأهداف والمقاصد السياحية، حيث تعالج رمال سيناء الكثير من الأمراض المتعلقة بالعظام، وكذلك تُعتبر منتجات سيناء من النباتات الطبية من أهم وسائل العلاج غير التقليدي.

ولا شك أن اهتمام الدولة في الآونة الأخيرة، وفي عصر الرئيس عبد الفتاح السيسي، بتعمير سيناء، وخاصة فيما يتعلق بإنشاء الجامعات ذات الصبغة العالمية والإقليمية والمحلية التي تقدم برامج علمية ربما تختلف عن البرامج العلمية التي تقدمها الجامعات التقليدية العريقة القديمة في مصر.

وهذا الاهتمام أوجب على كل مصري أن يحتفل بهذه المناسبة التي تعبر وتظهر شعورا وطنيا عميقا بأن استرداد سيناء وتحريرها من الاحتلال الإسرائيلي إنما هو مناسبة قومية نتذكر فيها شهداءنا الذين ضحوا من أجلنا واختلطت دماؤهم برمال سيناء وسفوح جبالها في أشرس قتال للدفاع عن الأمن القومي المصري، واسترداد هذا الجزء الهام من التراب المصري الذي يتمثل في شبه جزيرة سيناء، وتخليصها من نير الاحتلال البغيض لتعود سيناء من جديد إلى حضن الوطن الأم ولننعم جميعا بخيراتها، وسوف تظل دائما سيناء درة تعبر عن هوية الإنسان المصري وحرصه في الدفاع عن عرضه وكرامته وأرضه، وفي نفس الوقت إن سيناء كانت ولا تزال جزءا لا يتجزأ من الشخصية المصرية المتفردة عبر التاريخ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق