لم يكن ينقص المشهد السياسي اللبناني سوى إطلاق معركة الانتخابات النيابية المبكرة، قبل نحو عامين من موعدها الدستوري. لكن رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع اختار أن يكسر الإيقاع التقليدي، مطلقًا دعوة إلى إجراء انتخابات نيابية مبكرة، في خطوة أثارت أكثر من علامة استفهام، ليس حول إمكان تنفيذها، بل حول توقيتها وأهدافها السياسية.
فجعجع يدرك كما يدرك خصومه أن إجراء انتخابات نيابية مبكرة ليس قرارًا يتخذه حزب سياسي، ولا حتى الحكومة، بل يحتاج إلى توافق سياسي وتشريعي يبدو مفقودًا بالكامل. لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل ستُجرى انتخابات مبكرة، بل: لماذا أراد رئيس "القوات" طرحها الآن؟
الجواب يبدأ من مكان آخر.
فالمنطقة بأسرها تعيش مرحلة إعادة رسم للتوازنات. فالحرب الأخيرة لم تنته فقط بوقف إطلاق النار، بل فتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها إعادة ترتيب النفوذ، من غزة إلى سوريا، مرورًا بلبنان. وفي خضم هذه التحولات، لم يعد السؤال المطروح في العواصم الغربية والعربية يتعلق فقط بكيفية تثبيت الهدوء، بل أيضًا بشكل الدولة اللبنانية التي ستولد بعد انتهاء هذه المرحلة.
وتشير المعطيات السياسية إلى أن المجتمع الدولي لم يعد يتعامل مع الأزمة اللبنانية بوصفها أزمة اقتصادية أو مالية فحسب، بل يعتبر أن أصل المشكلة يكمن في بنية السلطة نفسها، وفي عجزها عن احتكار القرار الأمني والعسكري. لذلك، فإن أي مشروع لإعادة الإعمار أو استعادة الدعم الخارجي بات مرتبطًا، بصورة أو بأخرى، بإعادة بناء مؤسسات الدولة وتعزيز سلطتها.
من هنا، يبدو أن "القوات اللبنانية" قرأت مبكرًا اتجاه الرياح.
فالحزب يعتبر أن التحولات الإقليمية قد تفتح نافذة لإعادة تكوين السلطة في لبنان، وأن المجلس النيابي الحالي، الذي انتُخب في ظل ظروف سياسية مختلفة، قد لا يكون المجلس الذي سيرافق المرحلة الجديدة. ولذلك، أراد جعجع أن يسبق الجميع إلى طرح فكرة العودة إلى الشعب، باعتبارها المدخل الطبيعي لإنتاج سلطة جديدة.
ولا يخفي الحزب اقتناعه بأن المزاج الشعبي تبدّل، ولا سيما داخل البيئة المسيحية، بعد الحرب والتطورات الأمنية الأخيرة، وأن أي انتخابات جديدة قد تمنحه وحلفاءه كتلة نيابية أكبر، تسمح بتغيير موازين القوى داخل المجلس.
لكن حسابات "القوات" لا تقف عند الداخل اللبناني. فالرسالة تبدو موجهة أيضًا إلى الخارج، وتحديدًا إلى الدول المعنية بالملف اللبناني، ومفادها أن هناك فريقًا سياسيًا مستعدًا لترجمة أي تحول إقليمي إلى تغيير في بنية السلطة، وأن مشروع الدولة لا يمكن أن يكتمل من دون تجديد الشرعية الشعبية.
وفي المقابل، يقرأ خصوم الحزب هذه الدعوة من زاوية مختلفة. فهم يعتبرون أن جعجع يحاول استثمار المناخ الإقليمي قبل أن تتضح نتائجه النهائية، وأنه يسعى إلى فرض إيقاع سياسي جديد يمنع العودة إلى التسويات التقليدية التي حكمت لبنان خلال السنوات الماضية.
إلا أن ما يستحق التوقف عنده ليس فقط مضمون الدعوة، بل التوقيت الذي اختير لإطلاقها.
فالملفات المطروحة اليوم تتجاوز بكثير النقاش الانتخابي. هناك مفاوضات غير مباشرة تتصل بمستقبل الجنوب، وضغوط دولية متزايدة لتطبيق القرارات الدولية، ونقاش داخلي حول استكمال بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، إضافة إلى ورشة إصلاح اقتصادي وإداري لا تزال في بدايتها. وفي ظل هذه الصورة، تبدو دعوة "القوات" محاولة لإعادة ترتيب الأولويات، ووضع الملف السياسي في صدارة النقاش، باعتبار أن أي إصلاح لن ينجح إذا بقيت السلطة السياسية نفسها.
ومن غير المستبعد أن يكون جعجع قد أراد أيضًا إحراج خصومه. فإذا كانوا يؤكدون أنهم يتمتعون بحضور شعبي واسع، فلماذا يرفضون الاحتكام مجددًا إلى صناديق الاقتراع؟ أما إذا كانوا يرفضون الفكرة، فإن "القوات" ستستثمر ذلك لتقول إن بعض القوى يتمسك بالمجلس الحالي لأنه يخشى تبدل موازين القوى.
لكن، بعيدًا من الحسابات الحزبية، تبدو المعركة التي فتحها جعجع أبعد من مجرد انتخابات مبكرة. إنها معركة على هوية المرحلة المقبلة، وعلى شكل الدولة التي يريدها اللبنانيون بعد سنوات من الانهيار والحروب والتسويات.
فإذا نجحت الضغوطات الدولية في فرض مسار إصلاحي جديد، وإذا استمرت المتغيرات الإقليمية في تقليص هامش المناورة أمام القوى التقليدية، فقد تتحول الانتخابات المقبلة، سواء جرت في موعدها أو قبله، إلى استفتاء سياسي على لبنان الجديد.
أما إذا عادت التسويات إلى إنتاج المنظومة نفسها، فإن دعوة "القوات اللبنانية" ستبقى، في الحد الأدنى، إعلانًا مبكرًا عن بدء أكبر معركة سياسية سيشهدها لبنان في السنوات المقبلة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، لم يكن هدف سمير جعجع إجراء انتخابات غدًا، بقدر ما كان هدفه إطلاق السباق إليها بدءًا من اليوم.




0 تعليق