.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
فى عالم يتحرك بسرعة الإشعارات، لم تعد الأسواق تُدار فقط داخل ردهات البورصات العالمية، أو عبر خطط التسويق التقليدية التى تستغرق شهورًا لإعدادها، فاليوم تُدار الأسواق من داخل شاشة هاتف صغيرة لا يتعدى حجمها بضع بوصات.
فيديو قصير مدته ١٥ ثانية، أو «ترند» عابر، أو منشور عفوى لمؤثر رقمى، بات قادرًا على إعادة تشكيل هيكل الطلب العالمى، ورفع الأسعار إلى مستويات قياسية، أو إسقاط منتج راسخ من السوق خلال ساعات قليلة فقط.
وبينما يظن المستخدم التقليدى أنه يتفاعل مع محتوى ترفيهى يقضى به وقت فراغه، تتحرك خلف الكواليس منظومة اقتصادية بالغة التعقيد، مدعومة بـ«الذكاء الاصطناعى» و«خوارزميات توجيه السلوك»، تُعيد توزيع الأموال، وحجم الطلب، والاهتمام البشرى فى لحظات.
فى هذا المشهد الاقتصادى الجديد وُلِد ما يُعرف بـ«اقتصاد الترند» أو «The Trend Economy»، حيث لم تعد القيمة الحقيقية للمنتج أو جودته المادية وحدها هما ما يحددان نجاحه الاستثمارى، بل قدرته على التحول إلى موجة رقمية قابلة لما يعرف بـ«الانتشار الفيروسى».
الانتشار يرفع قيمة شركة «لابوبو» لـ55 مليار دولار.. واللعبة تحولت إلى «أصل مالى»
فى واحدة من أكثر الظواهر دلالة على قوة هذا الاقتصاد الجديد، تحولت دمى «لابوبو/ Labubu» الصغيرة من مجرد منتج ترفيهى بسيط موجّه للأطفال والهواة، إلى أصل اقتصادى متكامل، يعكس كيف يمكن لـ«السوشيال ميديا» أن تصنع قيمة مالية ضخمة من العدم تقريبًا.
خلقت هذه الدُمى موجة رقمية جارفة عبر منصات التواصل الاجتماعى، مدفوعة بمشاهد «فتح صناديق المفاجآت»، وردود الأفعال العفوية، والإصدارات المحدودة التى غذّت شعور الندرة والتنافس الشرس بين المستهلكين.
وحسب بيانات شركة «بوب مارت/ Pop Mart»، بلغت إيراداتها نحو ١.٩٥ مليار دولار، فى النصف الأول من عام ٢٠٢٥، بارتفاع يتجاوز ٢٠٤٪ على أساس سنوى، فيما وصلت قيمتها السوقية إلى نحو ٥٥ مليار دولار فى ذروة الصعود، واقتربت ثروة مؤسسها «وانج نينج» من ٢٧ مليار دولار، وفقًا لتقديرات وكالة «بلومبرج» الاقتصادية.
لم يتوقف التأثير عند حدود المبيعات المباشرة للشركة؛ بل نشأت بسرعة سوق ثانوية موازية لإعادة البيع والمضاربة، تُباع فيها بعض الإصدارات النادرة بعشرات الآلاف من الدولارات. وسجلت بعض المزادات فى العاصمة الصينية بكين أرقامًا فلكية، حتى بيعت دمية واحدة نادرة بنحو ١٥٠ ألف دولار!
يعكس هذا النمو ما يطلق عليه خبراء التسويق «الندرة المصممة/ Engineered Scarcity»، وهى استراتيجية تعتمد على إنتاج كميات محدودة، وطرح «صناديق المفاجآت العمياء»، وخلق حالة من الترقب الرقمى المستمر، وهو مزيج حوّل المنتج من مجرد لعبة استهلاكية إلى أصل مالى قابل للتداول والمضاربة.
وتكمن المفارقة الكبرى فى أن دُمى «لابوبو» لم تبتعد عن عالم الرفاهية، بل دخلت إليه عبر الباب الخلفى، إذ انتشرت صورها وهى مُعلّقة على حقائب فاخرة باهظة الثمن، فى مشهد يجمع بين منتج صغير منخفض التكلفة الإنتاجية وسلع فاخرة تتجاوز قيمتها آلاف الدولارات، ليعكس تداخل الطبقات الاستهلاكية فى عصر «الترند».
ترندات مصطنعة تديرها جيوش إلكترونية وبرمجيات ذكية للتأثير على حركة الأسواق
يرى الخبير التكنولوجى، خالد خليفة، أن منصات التواصل الاجتماعى تجاوزت منذ زمن وظيفتها الأولى كوسيط ناقل للمعلومات أو مساحة للترفيه، وأصبحت صانع قرار اقتصادى مباشر.
ويشرح «خليفة» طبيعة عمل هذه الآلية: «المنصات اليوم هى من يملك مفاتيح الانتباه البشرى، هى تتحكم بشكل كامل فيما يراه المستخدم على شاشته، وبالتالى تتحكم بطريقة مباشرة فيما يشتهيه، وما يشتريه، وما يهتم به».
ويضيف أن الخوارزميات الحديثة لم تعد تنتظر من المستخدم أن يبحث عما يريده، بل تعتمد على تحليل السلوك الرقمى اللحظى بدقة متناهية، بما يشمل مدة التوقف عند المنشور حتى لو لم يضغط المستخدم على زر الإعجاب، وسرعة التمرير، وتكرار إعادة تشغيل الفيديو أو المقطع الصوتى، ومشاركة المحتوى فى الرسائل الخاصة.
ويتابع: «بناءً على هذه البيانات، تقوم الخوارزمية ببناء خريطة اهتمامات نفسية ولحظية لكل مستخدم. وما نراه كجمهور على أنه ترند عفوى، هو فى الحقيقة نتيجة هندسة رقمية دقيقة وتوجيه ممنهج للمحتوى نحو الجمهور المناسب فى الوقت المناسب».
ولا يتوقف تأثير «اقتصاد الترند» على السلع الاستهلاكية أو الألعاب والموضة، بل يمتد بقوة ليشمل أسواق المال والبورصات العالمية، والعملات المشفرة، والمعادن الثمينة، فيشير «خليفة» إلى أن «السوشيال ميديا» ربطت بين التحولات الجيوسياسية وحركة الأموال بشكل لحظى غير مسبوق.
ويقول: «تصريح سياسى واحد، أو موقف يُنشر على المنصات الرقمية، كفيل بإحداث تقلبات حادة وفورية فى أسعار الذهب، أو أسعار صرف العملات، أو مؤشرات البورصات العالمية خلال دقائق معدودة».
واستشهد «خليفة» بالولايات المتحدة كمثال بارز، حيث أصبحت تغريدات ومنشورات الشخصيات السياسية المؤثرة، مثل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بمثابة محركات أساسية للأسواق.
ويضيف: «منشور واحد من شخصية بهذا الحجم قد يؤدى إلى هبوط مفاجئ لأسهم شركات كبرى أو صعود صاروخى لأسعار الذهب بناءً على تفسير المنصات للموقف السياسى، فالأسواق لم تعد تنتظر التقارير الاقتصادية ربع السنوية، بل باتت تتحرك بناءً على الاستجابة اللحظية للتدفق الرقمى، واستغلال هذا الصعود والهبوط السريع لتحقيق أرباح ضخمة».
ولم يعد إنتاج «ترند» يتصدر المنصات أمرًا يترك للصدفة أو الحظ؛ بل تحول إلى علم تسويقى صارم يُعرف بـ«الهندسة الرقمية» أو (Growth Hacking)، حيث تستخدم الشركات آليات الذكاء الاصطناعى لتحليل البيانات الضخمة.
ويشرح خالد خليفة هذه العملية بالتفصيل قائلًا إن الشركات تبدأ ببناء ملفات سلوكية ونفسية متكاملة للجمهور المستهدف تُعرف فى عالم التسويق باسم الـ«Persona»، ويتم تصميم المنتج والمحتوى الترويجى له بناءً على ما يثير هذه الشخصيات عاطفيًا ونفسيًا.
وتعتمد الشركات فى تصميم منتجاتها على ركائز أساسية تضمن انتشارها، أبرزها التركيز على التصميم البصرى العمودى الملائم للشاشات الرأسية للهواتف الذكية، ويضاف إلى ذلك تعمد إدخال عنصر الغرابة والفضول فى التصميم، مثل تقديم نكهات أطعمة غير معتادة أو أشكال ألعاب مبتكرة تثير دهشة المستخدم وتحفزه تلقائيًا على تصوير المنتج ومشاركته مع أصدقائه، ما يساعد الخوارزميات على دفعه لملايين الشاشات.
وتعتبر نسبة كبرى من الترندات التى يظنها المستخدم عفوية، ونابعة من حب الناس، ترندات مُصطنّعة ومدفوعة خلف الكواليس، فيوضح «خليفة» أن هناك فارقًا شاسعًا بين الإعلان التقليدى الذى يظهر بوضوح كـ«محتوى ممول»، وبين صناعة الترند الخفى.
ويقول: «تعتمد بعض الشركات والجهات على وكالات تسويق متخصصة تدير جيوشًا إلكترونية، وحسابات وهمية، وبرمجيات ذكية (Bots). تقوم هذه المنظومة بضخ آلاف التعليقات والمشاركات والإعجابات للمنتج فى الساعات الأولى من نشره».
هذا التكثيف الاصطناعى السريع ينجح فى خداع خوارزميات المنصات، حيث يقرأ النظام هذا التفاعل المفاجئ على أنه مؤشر لاهتمام جماهيرى حقيقى ومثير، فتقوم الخوارزمية تلقائيًا بدفع المحتوى ومشاركته مع ملايين المستخدمين الحقيقيين، ليتحول التفاعل الوهمى الأولى إلى ترند حقيقى كاسح.
«تيك توك» تروّج للمنتجات بخاصية «نظام تبويب من أجلك».. والخوارزميات تمنح المؤثرين انتشارًا غير مسبوق
تتربع منصة «تيك توك» (TikTok) على عرش «اقتصاد الترند»، متفوقة على المنصات التقليدية بفضل هندسة خوارزميتها الفريدة القائمة على «نظام تبويب من أجلك» (For You Page)..
ويشرح «خليفة» كيفية تفوق هذه المنصة، قائلًا: «الخوارزمية هنا لا تهتم بعدد المتابعين لحسابك، بل تهتم بجودة المحتوى وقدرته على الاحتفاظ بانتباه المشاهد. يحلل النظام الحالة النفسية والاهتمام اللحظى للمستخدم بناءً على أجزاء من الثانية يقضيها فى مشاهدة مقطع معين».
وتقوم آلية المنصة على اختبار مقاطع الفيديو الجديدة أولًا عبر عرضها على شريحة صغيرة ومحدودة من المستخدمين. فإذا حقق الفيديو معدل مشاهدة كاملًا وتفاعلًا مميزًا، تقرأ الخوارزمية ذلك كعلامة نجاح، وتقوم تلقائيًا بتوسيع نطاق العرض ليشمل شرائح أكبر تدريجيًا، حتى يتحول المقطع الصغير إلى موجة تفاعل عالمية تغير حركة الأسواق فى ساعات قليلة.
لماذا يندفع المستهلك الذكى لشراء منتجات قد لا يحتاجها لمجرد أنها «ترند»؟ الإجابة تكمن فى التلاعب النفسى العصبى الذى تمارسه المنصات الرقمية، فتكرار ظهور المنتج من مصادر مختلفة أمام المستخدم يخلق ما يسمى بـ«الصدى الرقمى» (Digital Echo)، هذا الصدى يترجمه الدماغ البشرى سريعًا إلى خوف سيكولوجى حقيقى يعرف بـ«الخوف من فوات الفرصة» (FOMO - Fear Of Missing Out).
يقول «خليفة» فى هذا الصدد: «يشعر الإنسان تحت ضغط هذا الصدى الرقمى بأنه معزول أو متأخر عن بقية أقرانه والمجتمع إذا لم يقتنِ هذا المنتج الرائج. ومع تكرار المشاهدة، يرتفع هرمون (الدوبامين) فى الدماغ مرارًا وتكرارًا، ما يلغى التفكير العقلانى ويدفع الشخص نحو قرار الشراء الفورى وبصورة شبه تلقائية».
ولم يعد المؤثر الرقمى «Influencer» مجرد وجه إعلانى يقرأ نصًا مكتوبًا كما كان يحدث فى التليفزيون التقليدى؛ بل أصبح يمثل فى الهيكل التكنولوجى الحديث ما يعرف بـ«نقاط التوزيع الرقمية» (Digital Distribution Nodes).
تمنح الخوارزميات حسابات هؤلاء المؤثرين قوة انتشار استثنائية بسبب أرقام التفاعل المرتفعة لديهم. وعندما يتبنى مؤثر منتجًا ما، أو يدمجه فى تفاصيل حياته اليومية، فإنه يمنحه شرعية رقمية وثقة فورية لدى المتابعين، فالمؤثر هنا يتحول من مجرد مُعلن إلى محرك أساسى ينقل المنتج من نطاق الإعلان المحدود إلى ظاهرة جماهيرية كاسحة تتداولها الأيدى ويقبل عليها المستهلكون دون تردد.
القوة المرعبة لـ«السوشيال ميديا»: نقرة زر واحدة قادرة على تفريغ رفوف متاجر العالم
طرح أيمن عصمت، خبير أمن المعلومات، رؤية تحليلية حول تحكم البيانات فى السلوك البشرى، مؤكدًا أن «اقتصاد الخوارزميات» بات المحرك الخفى للاقتصاد العالمى الحديث.
وقال «عصمت»: «تتحكم الخوارزميات بشكل كامل فى ترتيب المحتوى، ما يعنى أنها تمتلك القدرة على توجيه اهتمامات الشعوب. الإعلانات والترشيحات لم تعد عشوائية، بل تُصاغ بناءً على بياناتك الشخصية الدقيقة: عمرك، موقعك الجغرافى، وحتى حالتك المزاجية التى تستنتجها المنصة من طريقة كتابتك وتفاعلك».
وحذر من خطورة الاعتماد على الأرقام الظاهرة لـ«الترندات»، مبينًا أن المشاهدات والتفاعلات المليونية هى الوقود الحقيقى لـ«الترند»، ولكن بما أن جزءًا كبيرًا منها يتم تضخيمه بشكل مصطنع عبر آليات التفاعل الوهمى، فإن قياس الرأى العام الاستهلاكى لم يعد دقيقًا، والشركات التى تبنى خططها الاستثمارية طويلة الأجل بناءً على «الترندات» الرقمية تخاطر بالانهيار الفورى نتيجة تقلّب «الأمزجة الرقمية».
وللتدليل على مدى قدرة «السوشيال ميديا» على إحداث اضطراب حقيقى فى سلاسل الإمداد الغذائية والأسواق الواقعية، استشهد خبير أمن المعلومات بترند «مكرونة الجبن الفيتا/ Baked Feta Pasta»، الذى اجتاح منصات التواصل الاجتماعى قبل فترة.
بدأ الأمر بفيديو بسيط لمؤثرة تطهو المكرونة البينى مع قالب من جبن الفيتا، ليتحول خلال أيام إلى موجة طلب عالمية جارفة، وكانت النتيجة المباشرة لهذا «الترند» العابر هى نفاد المكرونة البينى وجبن الفيتا من سلاسل السوبرماركت الكبرى فى عدة دول أوروبية، ما تسبب فى ارتباك حاد فى خطوط التوزيع الغذائى وسلاسل الإمداد.
وعلّق «عصمت» على هذه الظاهرة قائلًا: «هذا المثال يعكس القوة المرعبة للسوشيال ميديا. أزمة الأسواق لم تكن مرتبطة بقيمة غذائية استثنائية أو ثورة فى عالم الطهى، بل كانت نتاجًا خالصًا للتأثير الجماعى الأعمى وصناعة الترند، وهو ما يثبت أن نقرة زر واحدة قادرة على تفريغ رفوف المتاجر حول العالم».
فيديوهات «تيك توك» و«إنستجرام» ترفع الطلب على منتجات معينة
إذا هبطنا من المؤشرات العالمية إلى أرض الواقع داخل الأسواق المحلية، نجد أن التأثير لا يقل حدة، فداخل أحد أشهر متاجر الحلويات فى القاهرة يصف لنا صاحب المتجر، أحمد السيد، كيف تغيرت قواعد اللعبة بالكامل خلال السنوات الأخيرة.
يقول «السيد»: «فى بعض الأيام نفاجأ بطلبات ضخمة ومفاجئة على منتج معين أو نكهة محددة، فقط لأنه ظهر فى فيديو ترند على تيك توك أو إنستجرام، فالقهوة الباردة بطريقة تحضير معينة، أو الشوكولاتة المستوردة بنكهات غريبة، هى خير مثال على ذلك، حيث يقفز الطلب من الصفر إلى القمة خلال أيام قليلة جدًا».
لكن هذا الزخم يمثل سلاحًا ذا حدين، لأن عمر «الترند» الرقمى قصير للغاية، كما يقول «السيد»، قبل أن يوضح: «المشكلة الكبرى هى أن هذا الزخم لا يدوم. نضطر لشراء كميات ضخمة من المواد الخام بناءً على ضغط الترند الحالى لتلبية طلب الزبائن، ثم ينتهى الترند فجأة ويموت فى غضون أسبوع. نجد أنفسنا فجأة أمام مخزون راكد لا يطلبه أحد، وخسائر مالية مباشرة تتكبدها المتاجر الصغيرة». وفى سوق الملابس والتجزئة، تؤكد منة خالد، بائعة ملابس «أونلاين»، أن «الترند» أصبح هو الموجّه الأول والوحيد لقرار الشراء لدى المستهلكين، مضيفة: «قطعة ملابس واحدة، أو لون محدد، قد يتحول إلى المنتج الأكثر طلبًا فى البلاد خلال ساعات، إذا ظهرت به مؤثرة رقمية مشهورة، أو دخلت القطعة فى سياق فيديو ناجح حصد ملايين المشاهدات».
وتضيف: «السوق أصبحت سريعة التقلب لدرجة مرعبة، ولم نعد نستطيع وضع خطط إنتاجية لـ٦ أشهر مقبلة، بل نتابع المنصات بشكل يومى لتحديد خطوتنا التالية».








0 تعليق