"ألغام الهويات".. د. هاني نسيره يكشف تحديات الدين والدولة في العالم العربي (حوار)

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

.

.


.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،

في عصر تتسارع فيه التحولات الاجتماعية والسياسية، وتتصاعد فيه النقاشات حول الانتماء والدين والمواطنة، يطرح كتاب "ألغام  الهويات: تحديات الدين والدولة في العالم العربي" للدكتور هاني نسيره قراءة عميقة ومفصلة لمسألة الهوية في المنطقة العربية.

 الكتاب يستعرض كيف تتشكل الهوية ليس كمفهوم ثابت، بل كصيرورة ديناميكية تتفاعل مع المجتمع والآخرين، ويحلل مخاطر التصورات الأحادية والهويات المغلقة، إضافة إلى دور الدولة والنخب الثقافية في إدارة التنوع والحد من الصراعات.

في هذا الحوار، يجيب الدكتور نسيره على أسئلة "الدستور"، موضحًا رؤية الكتاب حول الهوية المركبة، الهوية الوطنية، الهوية الرقمية، وأهمية الثقافة والوعي في التعامل مع "ألغام الهوية" التي تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي. 

كما يناقش تأثير التأويلات الدينية والسياسية على المجتمعات العربية، والسبل العملية لإدارة الهويات المتعددة بما يحقق التسامح والتعايش.

ينطلق كتابكم من فكرة أن الهوية ليست مجرد تعريف ثابت، بل صيرورة متحركة.. كيف يمكن تبسيط هذا المفهوم للقارئ غير المتخصص؟

أقصد ان البعض دأب على تعريف الهوية كانتماء ثابت لماض، ثقافي او ديني او عرقي او قومي، والحقيقة ان الهوية كشعور الذات بنفسها لا تتحقق الا في مرايا الآخرين، فالمرء يهتف بهويته مهللا حين ينجح او ينتصر او يتفوق، الناجح يرفع ايده زي ما بيغني عبد الحليم حافظ، او تراه ان فشل او انهزم باكيا في ركن بعيد، كما فعل ابو عبد الله الأحمر أخر حكام غرناطة حين اضطر للرحيل عن ملك آبائه، الهوية هنا تتشكل كفعل وك حضور في مرايا الآخرين مقارنة بهم، وتفاعلا او رد فعل على أفعالهم، ونظرتهم لنا، هي استجابة وتحدي أكثر منها تصور ذهني ساكن للذات.

تتحدثون عن "ألغام الهوية".. ما أخطر هذه الألغام في السياق العربي اليوم، وهل هي دينية أم سياسية أم اجتماعية بالأساس؟

ربما الديني والعرقي القومي هم أخطر أنواع الهويات، وحين تلغم لتنفجر، نتيجة استهداف الآخرين او اهانتهم لها، تخرج فعلا حادا، قد يستهدف القتل والانتصار والاستشهاد او الانتحار، مهما اختلفت التعبيرات او التوصيفات، ولكن كل أنواع الهويات، الفرعية أو الصغرى خطير، متى تم تهميشه وإقصاؤه والعنف ضده وانكاره، فيسعى للحضور والتحقق، عنفا ضد الآخرين دينيا أو قوميا أو ضد الدولة أو انفصالا عنها. 

في تحليلكم للعلاقة بين الدين والسياسة، هل ترون أن الأزمة في النصوص أم في تأويلها واستخدامها في المجال العام؟

الأزمة دائما في التأويلات، فالقرآن لا يتكلم ولكن لا يتكلم به الرجال، كما قال أمير المؤمنين على بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهكذا كل نص، ومن المهم فهم كل نص في سياقه وتاريخيته، وإدراك تحولات الواقع وتطوراته، فقديما كنا نتكلم في إطار تصور الأمة أما الآن فإننا نعيش في إطار تصور الوطن والدول الوطنية، التي تقوم على المواطنة اي المساواة بين مواطنيها المنتمين إلى جنسيتها، وفي إطار تقارب عالمي غير مسبوق في تاريخ العالم، ومتغيرات حياتية وأنماط عيش مختلفة وثورات ثقافية وسياسية ورقمية تختلف عن ذي قبل، مما يعني أن  تنزيل النص ينبغي ان يكون واعيا لكل ذلك، وواعيا لإمكانية الخلاف حوله، والاجتهاد فيه، والنقد والاشتباك مع تأويلاته.

تناولتم تطور فكرة الهوية في الخطاب العربي الحديث.. لماذا تأخر ظهور دراسات الهوية عربيًا مقارنة بالغرب؟

لقد تأخر استخدام الهوية كلفظ ولكن كانت موجودة كمفهوم، فقد ولدت مع صدمة الحداثة والحملة الفرنسية ونحن وهم، ثم الوطن والمحتل، ولكن ظهرت بتعبيرات أخرى مثل الشخصية الوطنية والمسألة الشرقية والرابطة السياسية وتجسدت في شعارات جديدة مثل مصر للمصريين وسوريا الكبرى والبعث والوحدة العربية، والشخصية المصرية وغيرها، ولكن استخدام لفظ الهوية وانزالها عن سكونيتها نحو الاجتماع والمواطنة والسياسة وغيرها تأخر لثمانينيات القرن الماضي، وهو في الغرب لم يسبقها بكثير، فقد تأخر كذلك لسنة 1950 مع دراسات اريكسون عن الهوية وتشكلها في الوعي والتاريخ. 

تطرحون مفهوم "الهوية المركبة".. كيف يمكن للدولة العربية أن تدير هذا التعدد دون أن يتحول إلى صراع؟

هذا المفهوم مهم وضروري في فهم ظاهرة ومسألة الهوية، ويمثل حلا لها، عبر منظورية ومعقولية التنوع، واقصد انه لا توجد هوية احادية مصمتة، فردية او جمعية، فكل هوية هي متعددة الابعاد والمكونات من الهويات الفرعية، فأنا مسلم وعربي ومصري وصعيدي ومن قبيلة كذا واسكن في منطقة كذا،ـ وكاتب واكاديمي وصحافي وغير ذلك، وأنت كذلك، ولا بد من التصالح والفهم والتفهم مع كل هذه الأبعاد وعدم اصطدامها داخل الجماعات المتخيلة المعبرة عنها بل فهم تنوعها وتعددها وتوافقها عيشا مشتركا وتسامحا ثقافيا وفكريا وسياسيا معها في إطار القانون.

في الفصل الخاص بالهوية الوطنية، أشرتم إلى تحدياتها في العالم العربي.. هل المشكلة في ضعف الدولة أم في قوة الهويات الفرعية؟

الكتاب أشار لعدد من المشكلات، منها حداثة مفهوم الوطن ودلالته السياسية والفكرية في عالمنا العربي ابتداء، فالوطن مفهوم جيوسياسي حديث، تبلور عربيا في القرن التاسع عشر، بينما كان التاريخ والوجدان متعلقا بفكرة الأمة الإسلامية طويلا والعربية أحيانا أخرى، وظل وعي الوطن والمواطن هشا عند البعض، فضلا عن معمار هذه الدولة التي استلهمت الحداثة شكليا دون مضمونها، وفي حقب الاستبداد والأيدولوجيا المصمتة تم تحييدها من وظائفها احيانا، فظلت في كثير الاحيان هشة قابلة للانقسام وغير قادرة على تحقيق الشعارات وتقوية اللحمة الوطنية وغير ذلك تفصيل ونماذج في الكتاب، من حالات كالأكراد في سوريا والعراق، وتجارب حكم حزب البعث وغيرها، خاصة ان الهويات الفرعية الان تحد انتشاء وحضورا مع الثورة المعلوماتية التي تحمل وتؤكد روابطها وتربط بين جماعاتها، من الطائفة الى القبيلة الى العرقية.

توقفتم عند تصاعد الطائفية وخطابات الكراهية.. ما الدور الذي تلعبه النخب الثقافية والإعلامية في تغذية أو تفكيك هذه الظواهر؟

اقترحت التمكين لمنظورية ومعقولية التنوع، والتمكين لثقافة الاختلاف والاعتراف، فالهوية احد تعريفاتها كما يشير الكتاب، هي سعي للاعتراف، لا بد من الفهم والتفهم، والتعاطي الواقعي غير المفارق وغير الحاد المتعصب الذي ينتج خطاب الكراهية ويمكن لثقافتها وبالتالي صدامات الطوائف وعصبياتها.

ناقشتم "الهوية الرقمية" ومخاوفها.. هل تعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل الهويات أم يهددها؟

نعم أشرت للهوية الرقمية، وتحديات الذكاء الاصطناعي الثقافية والقيمية، وهو تحد عالمي لسنا فيه وجدنا، ولكن آراه تحدي استمر في علاقتنا مع الآلة والتطور دائما، وفي النهاية تؤنسن ويتطور الإنسان للمزيد من السيطرة عليها، واذا كان للثورة الرقمية بعض الاثار السلبية فلها ايضا الكثير من الاثار الايجابية في خدمة الثقافة والتراث والهوية والقيم الانسانية.

في حديثكم عن الكيميتية والهوية المصرية، كيف تقيمون هذا الجدل بين المرجعيات التاريخية المختلفة؟ وهل يمثل خطرًا حقيقيًا؟

كل هوية تمثل خطرا حال الانغلاق عليها، خطرا ثقافيا واجتماعيا وخطرا سياسيا ووطنيا، فالكيميتية رغم ضجيجها هوية تاريخية ولكنها لم تكن كل تاريخنا، وهناك حقب تاريخية اخرى تركت اثارها وتقاليدها ولها ممثلوها، الهيلينية والرومانية والمسيحية والاسلامية، وغيرها، وهناك البعد العربي العميق في تاريخنا وواقعنا ومعاداة اي بعد للابعاد الاخرى عزلة وضعف وخسارة وخصم من ثراء المكون والهوية المصرية الكلية.

اختتمتم الكتاب بتوصيات لنزع ألغام الهوية.. ما أبرز إجراء عملي يمكن أن تتبناه الدولة فورًا لتحقيق هذا الهدف؟

العودة لضرورة وضع سياسات ثقافية واستراتيجيات لإدارة الهوية بكل مكوناتها، والتمكين للمأسسة والتطور وحق الاختلاف وواجب الاعتراف، وعدم اهمال اي نوع من الهويات الفرعية لصالح اخر، وترشيد خطاب الهوية كيلا يكون عزلة عن الاخرين او استلابا لهم، والححت فيما الححت على اهمية منظورية ومعقولية التنوع سواء للذات، ل نحن، أو للعالم والآخرين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق