تحل، اليوم، ذكرى فتح مصر وسقوط حصن بابليون في يد القائد عمرو بن العاص وفى ذلك نتتبع ما ذكره الكاتب الكبير الراحل عباس محمود العقاد في كتابه عمرو بن العاص عن فتح مصر فماذا قال العقاد؟
تقدم عمرو من طريق الساحل إلى العريش، فلم يجد بها أحدًا يصده من قبل الروم ثم تقدم إلى الفرما فحاصر حاميتها واستولى عليها في أقل من شهرين، ثم مضى في طريقه حتى نزل بلبيس، فهزم بها جيشًا رومانيًّا يقدره بعض المؤرخين بثلاثة أضعاف الجيش العربي، وانقض من ناحية الصحراء على أم دنين فاستولى عليها، وجاوزها إلى حصن بابليون أو قصر الشمع كما سماه العرب، على الضفة الشرقية من النيل واختلفوا فيمن كان يقود حاميته، فقال أناس: إنه جورج أو الأعيرج كما سماه العرب، وقال أناس: إنه هو ثيودور الذي نازل العرب غير مرة، وقال غيرهم: إنه هو أريطيون صاحب عمرو القديم.
وصل الجيش العربي إلى جوار منف عاصمة الفراعنة، في شتاء 640 للميلاد 19 للهجرة وعرض على والي البلد شروطه التي هي شروط المسلمين قبل كل قتال، وهي الإسلام أو الجزية أو السيف، وعمد إلى التأثير الأدبي في إقناع الحامية ومن يلوذ بها من أهل البلاد، كما عمد إلى الخدعة والبسالة، فكان إذا جاءه الرسل من قبل الروم أبقاهم بين جنوده يومًا أو يومين ليروا بأعينهم زهد المسلمين في الدنيا واستخفافهم بالموت، وصبرهم على الشدة وإقدامهم على الكريهة في سبيل ما هم مؤمنون به وساعون إليه.
غير أن أدوات الحصار في جيش عمرو لم تكن من القوة بحيث تعينه على اقتحام سريع للحصون التي كانت توصف بالمناعة في تلك الأيام، فطال لبثه أمام حصن بابليون قياسًا على حصار الفرما وبلبيس، ولم يشأ أن يقضي الوقت كله في الإقامة على جوانب الحصن حتى تضيق الحامية ذرعًا بالحصار فتستسلم إليه، ولم يكن ميسورًا له أن يُنفِذ السرايا إلى مصر السفلى نحو الإسكندرية وما جاورها؛ لأن ابتداء الفيضان في النهر وجداوله الكثيرة حال دون ذلك، فحوَّل سراياه إلى الصعيد وأطراف الفيوم، ويبدو لنا أنه لم يقصد بها الفتح والاستيلاء على المدن في المرحلة الأولى من القتال، وإنما قصد بها أن يشغل جنده مخافة عليهم من فساد الراحة وطول الانتظار، وأن يعرف بالتجربة المحسوسة مدى التعويل على ولاء أهل البلاد، وأن يضطر حاميات الروم القليلة في الصعيد إلى البقاء حيث هي، والعدول عن إمداد الحامية في حصن بابليون ببعض رجالها إذا خطر لها هذا الخاطر؛ لأن تهديد الصعيد من حين إلى حين يوجب عليها أن تحمي مواقعها قبل التفكير في إمداد غيرها، فإنما كانت حركات السرايا في الصعيد مناورات للتعمية والاستطلاع، ولم تكن حملات للفتح والاحتلال.
وفي هذه الفترة خيل إلى قائد الروم أنه قادر على أخذ العرب بالمباغتة كما يأخذونه، فتأهب للهجوم على جيش عمرو في قاعدته الكبرى بعين شمس، وكانت تلك المعركة التي أسلفنا الإشارة إليها ودارت فيها الدائرة على الروم، فتجلت فيها مهارة عمرو في القيادة، كما تجلت فيها يقظته لحركة أعدائه وثباته لقوتهم وهي أضعاف قوته في الرجال والسلاح.
وانقضت السنة ومضت أشهر من السنة التالية، والحصن صامد لا يسلم، ولا يزال الذين فيه يخرجون من حين إلى حين لمناوشة جند المسلمين والعودة إليه، وكان النيل قد هبط في أثناء ذلك، فاستطاع عمرو أن يرسل فرقًا من جيشه إلى مصر السفلى لتعويق حركات الروم قبل التقدم إليه، فكان يهزمهم تارة ويرتد عنهم تارة أخرى، بغير كبير طائل لهذا الفريق أو لذاك.
وظل الفاروق في المدينة يرقب جيشه الزاحف بعين لا تغفل وقلب لا يَوْجل، ولم يزل يمدهم ويسأل عن أخبارهم ويتفقدهم، فلا يرى شيئًا هو أحق عنده بالتفقد من سلاحهم الماضي قبل كل سلاح، وعدتهم اللازمة قبل كل عدة، وهي الإيمان أو قوة الروح، فلما أبطأ الفتح المبين لم يرجع بإبطائه إلى قلة العدد أو قوة العدو، بل رجع به إلى نقص الإيمان ودخل النيات، وكتب إلى المسلمين يقول: عجبت لإبطائكم فتح مصر، تقاتلونهم منذ سنتين وما ذاك إلا لما أحدثتم وأصبتم من الدنيا ما أحب عدوكم، وإن الله تعالى لا ينصر قومًا إلا بصدق ثباتهم.
نقطة التحول
وحدث في أثناء ذلك أن مات هرقل، وشاعت الدسائس في البلاط بعده، وفشا المرض في حامية الحصن حتى هلك به خلق كثير، وتغلب حزب الصلح بعد موته الذي كان يأباه، واعتز جيش المسلمين بإمداد من الفرسان المغاوير يقدر الواحد منهم بألف مقاتل ولا مغالاة؛ لأن تقديره بألف مقاتل لا يعني أنه يساويهم في العدة والكثرة، بل يعني أنه يبث الشجاعة في الجيش بقدرته ويقينه، فيقاتل الجيش كأنه قد زيد ألف مقاتل، ولم يكن قصاراه زيادة فارس واحد، وليس هذا بعجيب في جيش تقوم عدته الكبرى على الثقة واليقين.
من هؤلاء الزبير بن العوام الذي جاء في بعض الروايات أنه تسوَّر الحصن يتبعه جماعة من المستشهدين، فأوقع الرعب في قلوب الحامية وهي تعاني ما تعاني من اليأس والخوف والسقام، فأسرع أنصار الصلح إلى التسليم بعد ممانعة قليلة من المعارضين، وكان ذلك يوم الجمعة السابق ليوم القيامة سنة 641.

















0 تعليق