هل تنجح دبلوماسية الفاتيكان الهادئة في إنقاذ لبنان من دوامة الحرب؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
ليست علاقة لبنان بالفاتيكان وليدة الأزمات، ولا ترتبط بشخص رئيس أو بابا. فمنذ إقامة العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين عام 1946، حافظ الكرسي الرسولي على اهتمام خاص بلبنان، الذي ينظر إليه كمساحة للتعددية الدينية والتعايش، وكنموذج للحضور المسيحي في الشرق. ولذلك، لطالما ارتبط الموقف الفاتيكاني بالحفاظ على استقرار لبنان وسيادته، باعتبارهما شرطين أساسيين لبقاء هذا النموذج.

Advertisement


لكن مع وصول العماد جوزاف عون إلى رئاسة الجمهورية، تبدو العلاقة أمام مرحلة مختلفة. فلبنان الذي وصل إليه عون لم يكن يحتاج فقط إلى رئيس ينهي الفراغ، بل إلى إعادة بناء دولة ومؤسسات، واستعادة ثقة الداخل والخارج، والخروج من تداعيات الحرب والأزمات المتراكمة. وفي هذا المشهد، وجد الفاتيكان في العهد الجديد مساحة يمكن من خلالها إعادة الدفع باتجاه الاستقرار ومنطق الدولة.

ومنذ انتخاب عون في كانون الثاني 2025، تكرّس التواصل مع روما تدريجيًا. ومع انتخاب البابا لاوون الرابع عشر بعد أشهر، أصبح التواصل أكثر مباشرة، بدءًا من لقاء عون بالبابا في الفاتيكان، وصولًا إلى الزيارة البابوية للبنان في نهاية 2025. ولم تكن رسائل البابا لاوون في لبنان دينية فقط؛ فالسلام، والحوار، والحفاظ على التعددية، ووقف نزيف الهجرة، شكلت عناوين أساسية في مقاربته للبنان.

وهنا تكمن إحدى أهم النقاط في فهم الدور الفاتيكاني. روما لا ترى أن حماية المسيحيين تبدأ من الكنيسة وتنتهي عندها، بل تبدأ من حماية الدولة التي يعيشون فيها. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة، واتسعت رقعة الحرب، وانهار الاقتصاد، ازدادت الهجرة وتراجع الحضور المسيحي. وبالتالي، فإن دعم الاستقرار والسيادة وإعادة بناء المؤسسات يتحول تلقائيًا إلى جزء من حماية الوجود المسيحي نفسه.


لكن العلاقة بين بعبدا والفاتيكان أخذت منحى أكثر أهمية في المرحلة الأخيرة، عندما انتقل الجنوب إلى صلب المحادثات.

في 20 آب 2026، استقبل البابا لاون الرابع عشر الرئيس جوزاف عون في الفاتيكان، ثم عقد الرئيس اللبناني محادثات مع أمين سر دولة الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين ومسؤول العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية. وكان اتفاق الإطار الثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في قلب النقاش، باعتباره مسارًا يهدف إلى تثبيت الحدود الجنوبية وتحقيق سلام عادل ودائم.

الأهم أن الفاتيكان لم يتعامل مع الاتفاق كعنوان دبلوماسي عابر، بل أبدى قلقًا واضحًا من الصعوبات التي تواجه تنفيذه، وأكد دعمه للجهود الرامية إلى تطبيقه. وفي المقابل، حمل عون إلى روما مجموعة من المطالب اللبنانية، في مقدّمها وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وتنفيذ الاتفاق، والانسحاب من الأراضي المحتلة، بما يسمح بعودة النازحين وإعادة الإعمار، بالتوازي مع تعزيز سلطة الدولة اللبنانية.وهنا تحديدًا يتغير معنى العلاقة.

فالفاتيكان لا يستطيع أن يفرض اتفاقًا، ولا يملك أدوات عسكرية أو اقتصادية كتلك التي تملكها القوى الكبرى. لكنه يمتلك نوعًا آخر من النفوذ، وهي الدبلوماسية الهادئة. علاقاته الواسعة، وموقعه الدولي، وقدرته على التواصل مع عواصم ومرجعيات مختلفة، تمنحه إمكانية التأثير في المناخ الذي تُصنع فيه التسويات، حتى لو لم يكن طرفًا مباشرًا فيها.

وبالنسبة إلى لبنان، تكتسب هذه الدبلوماسية أهمية إضافية. فبيروت تحتاج اليوم إلى توسيع دائرة الدعم الدولي لموقفها، وإلى إبقاء قضايا السيادة والحدود والاعتداءات وإعادة الإعمار حاضرة خارج إطار المفاوضات الأمنية الضيقة. وهنا يستطيع الفاتيكان أن يقدّم للبنان ما لا يستطيع أن يقدمه طرف عسكري أو إقليمي: غطاءً سياسيًا وأخلاقيًا لمسار الدولة والسلام.

كما أن اهتمام روما بالجنوب يحمل بعدًا آخر. فالوجود المسيحي في الجنوب، وإن كان جزءًا من المشهد، ليس وحده سبب الاهتمام. المسألة الأوسع بالنسبة إلى الفاتيكان هي منع تفريغ المناطق الحدودية من سكانها، لأن استمرار الحرب والهجرة لا يهددان طائفة واحدة، بل يضربان فكرة لبنان المتعدد التي يعتبرها الكرسي الرسولي ذات قيمة تتجاوز حدوده.

ومن هنا، يلتقي مشروع عون مع رؤية الفاتيكان عند نقطة أساسية، لا يمكن بناء لبنان مستقر من دون دولة قوية، ولا يمكن حماية صيغة لبنان من دون حماية هذه الدولة.

لكن السؤال الأهم يبقى: إلى أي حد يستطيع الفاتيكان أن يتحول من داعم معنوي إلى طرف مؤثر في مسار الأحداث؟

الإجابة ترتبط بحدود الدور الفاتيكاني. فروما لا تستطيع فرض الانسحاب الإسرائيلي، ولا حسم الملفات العسكرية، ولا تغيير موازين القوى الداخلية. لكنها تستطيع أن تضيف إلى الموقف اللبناني صوتًا دوليًا وازنًا، وأن تستخدم شبكة علاقاتها للضغط باتجاه احترام الاتفاقات، وحماية المدنيين، ودعم سيادة الدولة.

وبذلك، فإن مسار العلاقة بين الرئيس عون والبابا لاوون الرابع عشر يعكس تحولًا لافتًا، من علاقة تركز تقليديًا على حماية "لبنان الرسالة" إلى علاقة تحاول اليوم دعم "لبنان الدولة".

وهذا هو جوهر الدور الفاتيكاني في المرحلة الحالية، ليس أن يصنع الحل للبنان، بل أن يساعد على توفير الظروف السياسية والدبلوماسية التي تجعل الحل ممكنًا؛ من تثبيت سيادة الدولة، إلى دعم السلام، وصولًا إلى منع الجنوب من العودة إلى دائرة الحرب.

ففي مرحلة تتعدد فيها الأطراف التي تتنافس على التأثير في لبنان، قد لا يكون الفاتيكان صاحب القرار، لكنه يستطيع أن يكون أحد الأصوات التي تدفع باتجاه قرار لبناني أكثر استقرارًا وسيادةً وسلامًا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق