Advertisement
الدولة بما تمثّل وبمن تمثّل تقول إن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون من صلاحيات المؤسسات الشرعية وحدها، وإن الجيش والقوى الأمنية هما الجهة المخولة حماية الحدود والدفاع عن لبنان وليس كل من يطلع على باله أن يغني موالًا يدخل البلد كله في حرب غير متكافئة، مع إصراره على التمسك بسلاحه بحجة أنه جزء من معادلة الردع في مواجهة إسرائيل، التي تمضي في مخططها التدميري والتهجيري من دون رادع، مع رفض "حزب الله"، وفق أدبياته، أن يتحول النقاش حول السلاح إلى عملية إملاء أو استسلام سياسي.
وبين مطرقة إسرائيل وسندان "حزب الله"، تقف الدولة أمام معادلة شديدة الصعوبة. فهي لا تستطيع بناء دولة مكتملة الصلاحيات فيما يبقى قرار أمني وعسكري أساسي خارج مؤسساتها. لكنها، في الوقت نفسه، لا تستطيع معالجة هذه المسألة بمنطق الصدام، لأن أي مواجهة داخلية حول السلاح قد تكون أكثر خطورة من المشكلة التي تريد حلها. ومن هنا تأتي أهمية التسوية، التي يعتمدها رئيس الجمهورية عندما قرّر الذهاب إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية، والتي بدأت في واشنطن ومن ثم انتقلت إلى روما.
فالتسوية لا تعني أن تتراجع الدولة عن سيادتها، كما لا تعني أن يسلّم "حزب الله" سلاحه بين ليلة وضحاها. التسوية الجدية تعني وضع مسار واضح، تدريجي وقابل للتنفيذ يؤدي في نهايته إلى انسحاب إسرائيل من كل شبر تحتله في الجنوب، وتعني أيضًا، وبالتوازي، أن تكون حصرية السلاح والقرار العسكري بيد الدولة، مقابل ضمانات سياسية وأمنية ووطنية تحمي الجميع.
إلا أن هذا الأمر يتطلب قبل كل شيء بناء ثقة. متبادلة بين الدولة وجميع المكونات السياسية، وبالأخص بينها وبين البيئة الحاضنة لـ "حزب الله".
فـ "الحزب يطالب بضمانة أكيدة، وهي ألاّ يتحوّل التخلي التدريجي عن منظومته العسكرية إلى انكشاف لبنان أمام إسرائيل، وهو أمر مثير للجدل، فيما تحتاج الدولة إلى أن يقتنع قيادة "الحزب" بأن السلاح لم يحمِ لبنان من الخطر الإسرائيلي، وأنه لن يبقى أداة مستقلة لاتخاذ قرار الحرب.
وهنا يأتي دور الجيش، الذي يمكن أن يشكل نقطة الالتقاء بين جميع مكونات المجتمع اللبناني، لا طرفًا في الصراع بينهم. وكلما ازدادت قدرة المؤسسة العسكرية على الانتشار والتجهيز وحماية الحدود، يصبح الانتقال من منطق "المقاومة" العبثي إلى منطق "الدولة" بكل ما في هذا المنطق من حيثيات أكثر واقعية وأقل كلفة.
لكن في المقابل هناك شرط آخر لا يقل أهمية عن موضوع "حصرية السلاح"، وهو الانسحاب الإسرائيلي الكامل، الذي أثبتت التجارب أن لبنان لوحده غير قادر على إجبارها على الانسحاب، وأن تجربة العام ألفين قد لا تتكرّر. ومن دون هذا الانسحاب يصعب على الدولة إقناع البيئة المؤيدة لـ "حزب الله" بأن مرحلة السلاح انتهت، فيما تبقى أراضٍ لبنانية تحت الاحتلال أو تستمر الاعتداءات. ولذلك فإن تثبيت الحدود ووقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي الكامل يجب أن يسير بالتوازي مع أي مسار لبناني لمعالجة مسألة السلاح.
إن استمرار الازدواجية يعني أن لبنان سيبقى معرضًا في كل لحظة لأن يتحول إلى ساحة صراع إقليمي، وأن أي قرار يتخذه طرف لبناني قد يجر الدولة كلها إلى حرب لا تملك قرارها الكامل.
لذلك، فإن المطلوب اليوم إنهاء هذه الازدواجية لأن المرحلة الراهنة، بكل ما تحمله من ضغوط ومخاطر، قد تكون فرصة تاريخية وربما نادرة أمام الدولة لتحرير الأرض من الاحتلال عبر المفاوضات وليس عبر أي أمر آخر، وذلك من خلال علاقاتها الدولية والعربية، وبالتالي لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والحزب على قاعدة مختلفة عن السابق. فالدولة هي دولة واحدة وليست عدّة دويلات، وقرارها واحد، وجيشه واحد. ومتى استعادت الدولة دورها كاملًا وغير منقوص تستطيع عنذاك أن تعطي لكل ذي حق حقه.
فلبنان لا يستطيع أن يبقى إلى ما لا نهاية دولة يفاوض الآخرون باسمها، وتحارب باسمها قوى أخرى، فيما تدفع وحدها ثمن النتائج.
المرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان لبنان ذاهبًا نحو تسوية تاريخية تنهي ازدواجية القرار، أم نحو جولة جديدة من إدارة الأزمة وتأجيل الانفجار. والفارق بين الخيارين قد يكون، هذه المرة، هو الفارق بين بناء الدولة وإعادة إنتاج الأزمة.





0 تعليق