وأشار التقرير الّذي ترجمه "لبنان 24"، إلى أن الاتفاق يأتي في مرحلة شديدة الحساسية تشهد تصاعدًا في التوترات الإقليمية، خصوصًا في ظل استمرار المواجهة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى جانب تصاعد التوتر بين إيران والسعودية. ولفت إلى أن طهران سبق أن حذرت من أن أي هجمات أميركية أو إسرائيلية جديدة قد تدفعها إلى استهداف شركاء واشنطن في منطقة الخليج.
Advertisement
وبحسب التقرير، فإن النص الكامل لاتفاق مكة لم يُنشر بصورة علنية، إلا أن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أوضح أن الاتفاق يتضمن آلية دفاع مشترك تشبه إلى حد كبير المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي "الناتو"، بحيث يُنظر إلى أي هجوم على إحدى الدول الثلاث باعتباره هجومًا عليها جميعًا، بما يفتح الباب أمام رد جماعي.
ويرى التقرير أن الهدف الأساسي من الاتفاق يتمثل في تعزيز القدرات الدفاعية للسعودية ورفع مستوى الردع في مواجهة أي هجوم إيراني محتمل، إلا أنه يشكك في مدى قدرة هذا الترتيب على منع طهران من التصعيد. ويشير إلى أن القيادة الإيرانية قد تنظر إلى أي مواجهة مقبلة باعتبارها مسألة استراتيجية ووجودية، وبالتالي قد لا تتراجع لمجرد وجود التزام دفاعي تركي-سعودي-باكستاني.
وفي هذا السياق، يطرح التقرير سؤالًا محوريًا حول ما يمكن أن تفعله تركيا في حال تعرضت السعودية لهجوم إيراني وطلبت من أنقرة تنفيذ التزاماتها بموجب الاتفاق. ويرى أن تصريحات فيدان بشأن طبيعة الاتفاق تجعل احتمال انخراط تركيا عسكريًا في مثل هذا السيناريو أمرًا يصعب استبعاده.
كما يتوقف التقرير عند الوضع في البحر الأحمر واليمن، مشيرًا إلى أن فيدان اعتبر تعطيل حركة الملاحة التجارية في البحر الأحمر مسألة تمس المصالح التركية بصورة مباشرة. ومن هنا، يطرح التقرير احتمال أن تجد تركيا نفسها أمام التزامات إضافية في حال اتساع المواجهة بين السعودية والحوثيين المدعومين من إيران، خصوصًا إذا تطورت الأحداث إلى مواجهة عسكرية واسعة.
ويشير التقرير إلى أن الاتفاق يبدو موجهًا، بصورة أساسية، إلى مواجهة التهديد الإيراني، مستشهدًا بردود الفعل الصادرة من طهران، حيث أثار الاتفاق انتقادات حادة من مسؤولين إيرانيين ووسائل إعلام مرتبطة بالدولة. ويرى أن هذه المواقف تعكس إدراك إيران بأن الترتيب الأمني الجديد قد يغيّر بعض موازين القوى في المنطقة.
وفي المقابل، يلفت التقرير إلى أن الاتفاق لا يمكن وصفه بسهولة بأنه تحالف مناهض لإسرائيل أو الولايات المتحدة، نظرًا إلى العلاقات الوثيقة التي تربط تركيا والسعودية وباكستان بواشنطن. كما يشير إلى ترحيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالاتفاق، معتبرًا أنه خطوة باتجاه تعزيز قدرة دول المنطقة على الدفاع عن نفسها.
لكن التقرير يرى أن البعد الإسرائيلي قد يزداد أهمية مع توسع الاتفاق، خصوصًا في حال انضمام مصر إليه مستقبلًا. ويشير إلى أن القاهرة شاركت في المحادثات التي سبقت توقيع الاتفاق قبل أن تنسحب منها، فيما أعرب فيدان عن توقعه بانضمامها لاحقًا. وبحسب التقرير، فإن تشكل إطار أمني يضم تركيا والسعودية وباكستان ومصر قد يُنظر إليه في إسرائيل باعتباره تطورًا استراتيجيًا مهمًا، ولا سيما إذا تحول إلى ترتيبات عسكرية أكثر تكاملًا.
ويضع التقرير سوريا في قلب المخاطر المحتملة بين تركيا وإسرائيل، معتبرًا أن التطورات على الساحة السورية قد تشكل نقطة احتكاك مباشرة بين البلدين. ويرى أن الاتفاق مع السعودية وباكستان لن يكون بالضرورة قادرًا على ردع إسرائيل عن التحرك في سوريا، بل قد يؤدي، في ظروف معينة، إلى تعزيز الرواية الإسرائيلية التي تقدم تركيا باعتبارها تهديدًا أمنيًا واستراتيجيًا.
كما يناقش التقرير الجانب الاقتصادي للاتفاق، مشيرًا إلى أن العلاقات الأمنية الوثيقة بين السعودية وباكستان ارتبطت تاريخيًا أيضًا بالدعم المالي والاستثماري السعودي لإسلام آباد. وفي ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها تركيا، ومساعي الرئيس رجب طيب أردوغان لتعزيز الدعم والاستثمارات الخليجية، يطرح التقرير تساؤلات بشأن ما إذا كانت الاعتبارات الاقتصادية قد لعبت دورًا في حسابات أنقرة إلى جانب الدوافع الأمنية والسياسية.
ويحذر التقرير في ختامه من أن اتفاق مكة قد يحوّل تركيا من طرف يحاول التأثير في أزمات الشرق الأوسط إلى طرف ملزم بالمشاركة في مواجهات عسكرية محتملة. ويعتبر أن أنقرة قد تجد نفسها مضطرة للدفاع عن حلفائها في حال تعرضهم لهجوم، حتى عندما لا تكون المصالح التركية المباشرة مهددة بشكل واضح.
ويخلص التقرير إلى أن الاتفاق قد يمثل مقامرة عالية المخاطر بالنسبة إلى أردوغان، إذ يمنح تركيا التزامات أمنية جديدة في منطقة تشهد أصلًا أزمات متعددة ومتداخلة، بينما تبقى المكاسب الاستراتيجية التي يمكن أن تحصل عليها أنقرة من هذا الترتيب غير واضحة، في مقابل احتمال أن تتحمل تكاليف مباشرة إذا تحولت التوترات الحالية إلى حرب إقليمية أوسع.




0 تعليق