في رأي أكثر من محلل سياسي أن اللقاء الذي جمع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري لم يكن مجرد محطة بروتوكولية، ولا مجرد محاولة لكسر جليد ساد العلاقة بين بعبدا وعين التينة في الأسابيع الماضية. فالتوقيت وحده يكفي ليمنح هذا اللقاء أبعادًا تتجاوز الإطار الداخلي، في ظل مرحلة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية، والتصعيد الأميركي – الإيراني، والضغوط الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار في جنوب لبنان واستكمال تنفيذ القرار 1701.
فلبنان يقف اليوم أمام استحقاق مختلف عن كل ما سبق. لم يعد النقاش يدور فقط حول تثبيت وقف إطلاق النار أو معالجة الخروقات الإسرائيلية، بل حول شكل المرحلة المقبلة، ودور الدولة فيها، وكيفية الانتقال من هدنة هشة إلى استقرار مستدام يفتح الباب أمام إعادة الإعمار، واستعادة الثقة الدولية، وإطلاق ورشة الإنقاذ الاقتصادي.
من هنا، اكتسب لقاء عون – بري أهمية استثنائية، لأنه جاء في لحظة يدرك فيها الطرفان أن استمرار التباعد بين رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب لم يعد ترفًا سياسيًا يمكن احتماله، بل أصبح يشكل نقطة ضعف في مواجهة استحقاقات تتطلب موقفًا لبنانيًا أكثر تماسكًا.
فالرسائل التي خرجت من اللقاء أوحت بأن ثمة محاولة لإعادة بناء مساحة مشتركة بين بعبدا وعين التينة، ليس على قاعدة إلغاء التباينات السياسية، بل على قاعدة الاتفاق على أولويات المرحلة. وهذه الأولويات تبدو واضحة، وهي حماية الاستقرار الداخلي، وتعزيز موقع الدولة في أي مفاوضات، وعدم السماح بتحويل لبنان مجددًا إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
اللافت في الأيام الأخيرة كان موقف رئيس الجمهورية الذي شدد على أن أولوية لبنان هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، ووقف الاعتداءات والخروقات، قبل الانتقال إلى أي ملفات أخرى. وقد قرأ البعض هذا الموقف على أنه تعديل في مقاربة الرئاسة للملفات السيادية، إلا أن التدقيق فيه يقود إلى استنتاج مختلف.
فالرئيس عون لم يتراجع عن مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة، ولا عن رؤيته لدور الجيش والمؤسسات الشرعية. لكنه يبدو أنه يعيد ترتيب الأولويات التفاوضية، انطلاقًا من قناعة بأن الدولة اللبنانية لا تستطيع أن تدخل في نقاشات داخلية كبرى فيما لا تزال إسرائيل تحتل أراضي لبنانية وتواصل خروقاتها اليومية.
بهذا المعنى، يصبح الانسحاب الإسرائيلي شرطًا لتعزيز موقع الدولة، لا بديلًا عنه، ويصبح تثبيت السيادة مقدمة لمعالجة بقية الملفات الحساسة، وليس العكس.
ويذهب بعض المراقبين إلى اعتبار أن ما صدر عن رئيس الجمهورية بعد لقائه الرئيس الأميركي ينسجم مع الخطوط العامة التي حملها إلى واشنطن، وإن بدا مختلفًا في ترتيب الأولويات.
ففي لقاءاته الخارجية، شدد عون على أن بناء الدولة اللبنانية وتعزيز دور الجيش واستعادة القرار السيادي تشكل أهدافًا استراتيجية لا مساومة عليها. أما اليوم، فهو يربط تحقيق هذه الأهداف بضرورة إزالة العقبة الأساسية التي يراها ماثلة في استمرار الاحتلال الإسرائيلي لبعض النقاط الحدودية والخروقات المتكررة.
من هذا المنطلق، لا يبدو أن ثمة تناقضًا بين الموقفين، بل محاولة لإدارة التفاوض وفق مبدأ تبادل الالتزامات، بحيث لا يُطلب من لبنان تقديم خطوات جوهرية قبل تنفيذ إسرائيل ما هو مطلوب منها بموجب الاتفاقات والقرارات الدولية.
ونسأل مع السائلين عمن أعاد وصل الخيط بين بعبدا وعين التينة، مع العلم أنه يصعب الجزم بوجود وسيط واحد كان وراء ترتيب اللقاء، غير أن المعطيات السياسية توحي بأن أكثر من عامل دفع في هذا الاتجاه؟
فالضغوط الدولية الرامية إلى تثبيت الاستقرار، والمفاوضات غير المباشرة الجارية برعاية أميركية، والحاجة إلى تقديم موقف لبناني موحد أمام الوسطاء، كلها عناصر جعلت استمرار القطيعة بين الرئاستين أمرًا مكلفًا.
ولا يُستبعد أن تكون قنوات اتصال داخلية، مدعومة بتشجيع من أطراف خارجية معنية باستقرار لبنان، قد ساهمت في تهيئة الأجواء، لكن الثابت أن القرار النهائي كان لبنانيًا، انطلاقًا من إدراك الطرفين أن المرحلة المقبلة تتطلب تنسيقًا أعلى مما كان قائمًا في السابق.
أمّا السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه اليوم فهو ليس ما إذا كان اللقاء قد أنهى الخلافات، بل ما إذا كان قد أطلق مقاربة سياسية جديدة.
فإذا كان الرئيس عون يتمسك بمنطق بناء الدولة، والرئيس بري يركز على أولوية تثبيت الحقوق اللبنانية في مواجهة إسرائيل، فإن الجمع بين هذين المسارين قد يشكل أرضية لموقف وطني أكثر تماسكًا، أي بمعنى دولة قوية، لكن من دون التفريط بالأوراق التفاوضية، وسيادة كاملة، لكن عبر مسار متدرج يحفظ الاستقرار.
وهذا تحديدًا ما تحتاج إليه المرحلة المقبلة، لأن أي تفاوض مع الخارج سيكون أكثر قوة إذا استند إلى موقف داخلي موحد، لا إلى انقسامات يستثمر فيها الآخرون.
ومع ذلك، فإن الحكم على نتائج اللقاء يبقى سابقًا لأوانه. فالمعيار الحقيقي لن يكون في الصور أو البيانات، بل في قدرة الرئاستين على تحويل هذا التقارب إلى تنسيق فعلي في الملفات الكبرى، من المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل، إلى تنفيذ القرار 1701، مرورًا بالإصلاحات الاقتصادية والإدارية، ووصولًا إلى النقاش الداخلي حول استكمال بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها.
فإذا نجح هذا المسار، فقد يكون لقاء بعبدا – عين التينة بداية مرحلة جديدة تُدار فيها الخلافات بالحوار، وتُبنى فيها الأولويات الوطنية على قاعدة الشراكة بين المؤسسات الدستورية.
أما إذا بقي اللقاء محصورًا في احتواء التباينات الآنية، من دون إنتاج رؤية مشتركة، فسيبقى حدثًا سياسيًا مهمًا في توقيته، لكنه لن يرتقي إلى مستوى التحول الذي ينتظره اللبنانيون.
وربما تكمن أهمية هذا اللقاء في أنه أعاد طرح سؤال كان غائبًا منذ سنوات، وهو: هل يستطيع لبنان أن يصوغ موقفه بنفسه قبل أن تُفرض عليه التسويات من الخارج؟ فإذا كان الجواب نعم، فإن ما جرى بين بعبدا وعين التينة قد يكون أكثر من لقاء سياسي؛ قد يكون بداية محاولة لبناء مقاربة لبنانية جديدة تسبق التسوية، بدلًا من أن تأتي نتيجة لها.





0 تعليق