المقصود هنا ليس استنساخ التجربة الفلسطينية حرفيًا، بل الاستفادة من فلسفتها الأمنية. أي بناء منطقة حدودية منخفضة التوتر، تُدار أمنيًا عبر ترتيبات محلية ودولية، بما يخفف الحاجة إلى المواجهة العسكرية المفتوحة أو الوجود الإسرائيلي المباشر.
في الضفة الغربية، تقوم المعادلة على وجود أجهزة أمنية محلية تتولى ضبط الاستقرار الداخلي، فيما تحتفظ إسرائيل بالتفوق الاستخباري والعسكري وقدرة التدخل عند الحاجة. هذا النموذج، من وجهة النظر الإسرائيلية، خفّف كلفة الاحتكاك اليومي، وسمح بإدارة المشهد الأمني من دون العودة إلى الاحتلال المباشر بالشكل التقليدي.
اليوم، يبدو أن بعض مراكز القرار الغربية والإسرائيلية تنظر إلى جنوب لبنان باعتباره ساحة يمكن أن تتجه نحو صيغة قريبة من هذا المنطق، لكن بنسخة لبنانية مختلفة تمامًا.
الحديث المتزايد عن تعزيز دور الجيش جنوب الليطاني، وتوسيع آليات المراقبة والتحقق، وإنشاء غرف تنسيق أمنية بإشراف دولي، لا يُقرأ فقط كإجراءات مرتبطة بوقف الحرب، بل كجزء من تصور أوسع لإدارة الاستقرار على الحدود.
الفكرة الأساسية هنا تقوم على أن تتحمل الدولة اللبنانية، عبر مؤسساتها، مسؤولية الإمساك الكامل بالوضع الأمني في الجنوب، بما يمنع أي انزلاق نحو مواجهة جديدة واسعة.
في هذا السياق، يُنظر إلى الجيش باعتباره العنصر الأكثر قدرة على القيام بهذا الدور، ليس فقط لأنه المؤسسة الوطنية الجامعة، بل أيضًا لأنه يحظى بقبول دولي واسع ودعم خارجي متواصل، خصوصًا في ما يتعلق بمهام حفظ الاستقرار جنوبًا.
لكن حساسية المقارنة مع الضفة الغربية تنبع من أن التجربة الفلسطينية ارتبطت، مع الوقت، بتحول الأمن إلى أولوية تتقدم على أي اعتبار آخر. لذلك، تظهر في لبنان مخاوف من أن يؤدي أي مسار أمني طويل الأمد إلى خلق واقع تصبح فيه الحدود الجنوبية محكومة بالكامل بمنطق منع التصعيد، فيما تبقى إسرائيل محتفظة بحرية الحركة الجوية والاستخبارية والعسكرية.أي أن النقاش لا يتعلق فقط بمنع الحرب، بل بالسؤال الأعمق:كيف سيُدار الجنوب بعد الحرب؟
هل يتحول إلى منطقة مضبوطة أمنيًا عبر ترتيبات دولية ـ لبنانية تمنع أي توتر كبير؟
أم يبقى ساحة مرتبطة بتوازنات الردع التقليدية التي حكمت الحدود طوال السنوات الماضية؟
ما يزيد أهمية هذا النقاش أن إسرائيل تبدو أقل رغبة في خوض حروب استنزاف طويلة داخل الأراضي اللبنانية، وأكثر اهتمامًا بإنتاج معادلة استقرار دائمة تقلل الأخطار على جبهتها الشمالية. وفي المقابل، هناك توجه دولي واضح لدعم الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية كي تكون الجهة الأساسية التي تدير الجنوب وتمنع الانفجار.
لهذا، فإن الحديث عن "نموذج الضفة الغربية" لا يعني بالضرورة وجود مشروع احتلال مباشر أو إعادة إنتاج تجارب سابقة، بل يشير إلى احتمال نشوء منظومة أمنية جديدة في الجنوب، قوامها دور أكبر للدولة اللبنانية، رقابة دولية وتقنية مكثفة، وإدارة دقيقة لأي تحرك قد يؤدي إلى التصعيد.
لكن نجاح أي نموذج من هذا النوع في لبنان يبقى مرتبطًا بعوامل معقدة جدًا، أبرزها طبيعة المجتمع الجنوبي، والتوازنات السياسية الداخلية، وحساسية أي ملف يتصل بالعلاقة مع إسرائيل، إضافة إلى خصوصية التجربة اللبنانية التي تختلف جذريًا عن الحالة الفلسطينية.
ولهذا، فإن ما يجري اليوم يتجاوز فكرة التهدئة المؤقتة. إنه نقاش مفتوح حول شكل الجنوب في مرحلة ما بعد الحرب، وحول طبيعة التوازن الأمني الذي قد يتكوّن على الحدود لسنوات طويلة مقبلة.









0 تعليق