Advertisement
وفي موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الداخلي اللبناني لهذه المفاوضات على وقع تهديدات الأمين العام لـ "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم بأسقاط الحكومة في الشارع. فنجاح الدولة في تقديم نفسها شريكًا جديًا وموحدًا في هذه العملية قد يعيد ترميم جزء من الثقة العربية والدولية المفقودة بها، ويفتح الباب أمام دعم سياسي واقتصادي وعسكري يحتاج إليه لبنان بشدة اليوم أكثر من أي وقت مضى. أما الفشل أو التخبّط أو تنامي الانقسامات الداخلية الحادة، فقد يدفعان المجتمع الدولي إلى التعامل مع لبنان مجددًا باعتباره ساحة مفتوحة لإدارة الأزمات لا دولة قادرة على إنتاج الحلول.
لذلك، تبدو الأيام الفاصلة عن اجتماعي البنتاغون والخارجية الأميركية شديدة الحساسية، ليس فقط لأنها تتعلق شوش بمفاوضات حدودية أو ترتيبات أمنية، بل لأنها قد تشكّل بداية اختبار حقيقي لقدرة لبنان على الانتقال من منطق التسويات المؤقتة والهشّة إلى منطق الدولة القادرة على فرض حضورها وسيادتها ضمن توازنات إقليمية ودولية بالغة التعقيد.
غير أنّ ما يزيد من تعقيد هذا المشهد، أنّ إسرائيل لا تبدو مستعدة لمنح لبنان أو حتى واشنطن فرصة سهلة للانتقال السلس إلى مرحلة "ما بعد الحرب". فهي تتعامل مع الجنوب اللبناني باعتباره جزءًا من منظومة أمنها القومي المباشر، لا مجرد جبهة حدودية تقليدية، ولذلك فهي تحاول، من خلال الضغط العسكري والسياسي المتواصل، فرض وقائع ميدانية تسبق أي اتفاق محتمل، وتمنحها هامشًا أوسع من حرية الحركة مستقبلًا.
وفي المقابل، يبدو "حزب الله" هو الآخر في موقع من لا يريد الظهور بمظهر المتراجع أو الخارج من الحرب مثقلًا بالخسائر السياسية والمعنوية، خصوصًا أمام بيئته الداخلية وحلفائه الإقليميين. ومن هنا يمكن فهم التصعيد السياسي الداخلي الذي يواكب المسار التفاوضي، وكأنّ الحزب يريد أن يقول إنه لا يزال ممسكًا بعناصر القوة والتأثير في الداخل، وأن أي تسوية مقبلة لا يمكن أن تتجاوز حضوره أو تتعامل معه كأمر واقع قابل للتهميش.
لكنّ اللافت في هذه المرحلة أنّ لبنان الرسمي يحاول للمرة الأولى منذ سنوات طويلة الإمساك بخيط المبادرة السياسية، ولو ضمن هامش ضيق ومعقد. فثمة قناعة متنامية داخل دوائر القرار بأنّ استمرار الوضع القائم لم يعد ممكنًا، لا اقتصاديًا ولا أمنيًا ولا حتى اجتماعيًا، وأنّ أي تأخير إضافي في الانتقال إلى مرحلة إعادة تثبيت سلطة الدولة قد يدفع البلاد نحو المزيد من التفكك والانهيار المؤسساتي.
وفي هذا السياق، تبدو الرئاسة اللبنانية وكأنها تراهن على عاملين أساسيين: الأول، وجود رغبة أميركية فعلية في منع انفجار شامل على الجبهة اللبنانية، والثاني، حاجة المجتمع الدولي إلى شريك رسمي لبناني يمكن الاستثمار فيه سياسيًا وأمنيًا في المرحلة المقبلة. ولذلك فإنّ الدفع نحو المفاوضات، ولو تحت عناوين تقنية وأمنية في بدايتها، يخفي في جوهره محاولة لإعادة إنتاج دور الدولة اللبنانية كلاعب أساسي لا مجرد وسيط بين القوى المتصارعة على أرضه.
إلا أنّ هذا الرهان يصطدم بعقبات داخلية وإقليمية شديدة الحساسية. فإسرائيل تريد ضمانات تتجاوز القرار 1701 وآليات تطبيقه السابقة، وتسعى عمليًا إلى فرض منطقة نفوذ أمني غير معلنة جنوب الليطاني، فيما يرفض "حزب الله" أي صيغة يمكن أن تُفهم داخليًا أو إقليميًا على أنها بداية مسار لنزع دوره العسكري أو تحجيمه الاستراتيجي.
أما واشنطن، فتبدو حريصة على إبقاء التوازن الدقيق بين هذه التناقضات، بما يمنع الانفجار من جهة، ويحفظ المصالح الإسرائيلية من جهة أخرى، من دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية واسعة قد تطيح كل المسارات التفاوضية الجارية مع إيران. ولهذا السبب تحديدًا، تبدو الساحة اللبنانية اليوم مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بمصير التفاهمات الكبرى في المنطقة، من الملف النووي الإيراني إلى مستقبل غزة وترتيبات الأمن الإقليمي.
وفي العمق، قد يكون أخطر ما يواجه لبنان أنّه يدخل هذه المرحلة الدقيقة وهو في أضعف حالاته الداخلية. فالدولة تعاني هشاشة مالية وإدارية غير مسبوقة، والمؤسسات تكاد تعمل بالحد الأدنى، فيما المجتمع اللبناني يعيش حالة إنهاك نفسي واقتصادي عميق. وهذا ما يجعل أي اهتزاز أمني أو سياسي إضافي قادرًا على إحداث تداعيات تتجاوز قدرة البلد على الاحتمال.
ومن هنا، فإنّ الاجتماعات المرتقبة في واشنطن والبنتاغون لن تكون مجرد محطة تفاوضية عابرة، بل قد تشكّل بداية مرحلة جديدة يُعاد فيها رسم التوازنات اللبنانية الداخلية تحت عنوان الأمن والاستقرار. فإما أن ينجح لبنان في استثمار هذه اللحظة لإعادة تثبيت فكرة الدولة ومؤسساتها، وإما أن يجد نفسه مجددًا أمام مرحلة طويلة من "إدارة الأزمات" المفتوحة، حيث يبقى البلد عالقًا بين هدنة هشّة وحرب غير مؤجلة.










0 تعليق