هذا الاشتباك لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس مأزقاً سياسياً واضحاً. فالرئيس عون ، منذ بداية اندفاعه في مسار التفاوض، يبحث عن تدعيم خطواته بشرعية وطنية واسعة تتيح له مواجهة الاعتراضات الداخلية والخارجية في آن واحد. إلا أن هذه الشرعية تبقى منقوصة ما دام "الثنائي الشيعي" يعبّر عن رفض واضح لأي تفاوض مباشر مع إسرائيل، وهو موقف يضع حدوداً قاسية أمام قدرة رئيس الجمهورية على التقدم بخطوات إضافية.
ولو كان عون مرتاحاً فعلاً ويتمتع بغطاء حقيقي من بري، لما وجد نفسه مضطراً إلى إعلان هذا الغطاء على الملأ أو إحراج من يفترض أنه يوفر له الدعم السياسي. في العادة، حين يكون الدعم قائماً وثابتاً، يتصرف صاحبه بقدر أكبر من البرودة والهدوء تجاه الضغوط، لأنه يدرك أنه يستند إلى قوة سياسية وازنة، حتى لو لم تكن معلنة بشكل رسمي.أما اللجوء إلى التصريح العلني باسم بري، فقد فُسِّر لدى كثيرين على أنه محاولة لفرض أمر واقع أو إحراج رئيس المجلس أمام جمهوره وحلفائه.
في المقابل، يبدو أن بري يتحصن بموقف عربي واسع يرفض الذهاب إلى أي شكل من أشكال التطبيع في لبنان، على الأقل في هذه المرحلة الحساسة. هذا العامل يمنحه قوة إضافية في المواجهة، خصوصاً أن المشهد الإقليمي يشهد تقاطعاً في المواقف، مع استمرار التنسيق بين السعودية وإيران، وتواصل قنوات الاتصال مع بري بشكل مباشر أو غير مباشر. هذه المعطيات جعلت من موقف رئيس المجلس أكثر صلابة.
أمام هذا الواقع المعقد، يجد الرئيس عون نفسه انام واقع حساس ودقيق، فهو من جهة لا يستطيع التراجع بسهولة عن الخطوات التي بدأها، لأن أي تراجع سيُفسَّر على أنه هزيمة سياسية أو رضوخ للضغوط. ومن جهة أخرى، يسعى إلى تحصين نفسه سياسياً عبر محاولة توسيع دائرة المؤيدين أو تخفيف حدّة الاعتراضات، لتقليل حجم الأضرار المحتملة.
وبين هذين الخيارين، يبدو أن المرحلة المقبلة مرشحة لمزيد من التوتر، مع احتمال اتساع دائرة الخلاف إذا لم تُفتح قنوات جدية لإعادة ضبط الإيقاع بين الرئاستين.










0 تعليق