وفي هذا السياق، أوضح الخبير في شؤون الطاقة الدكتور سامر الحاج أنّ ملف الكهرباء في لبنان لا يرتبط فقط بالاستقرار الأمني، بل يتأثّر أيضًا بعوامل مالية وتقنية وإدارية متراكمة منذ سنوات. وقال: “صحيح أنّ الهدنة خفّفت من الضغوط اللوجستية ومنحت المؤسسات فرصة لإعادة تنظيم العمل، لكنّ تحسين التغذية الكهربائية يحتاج إلى خطة واضحة تشمل تأمين الفيول، صيانة المعامل، تخفيف الهدر، وتطوير الشبكات المتضرّرة”.
وأضاف أنّ بعض المناطق شهدت خلال الحرب ساعات تغذية أفضل نتيجة انخفاض الاستهلاك في مناطق نزح منها السكان، أو بسبب تحويل الطاقة إلى مناطق ذات كثافة سكانية أكبر، ما أعطى انطباعًا بوجود تحسّن عام، بينما الواقع كان مرتبطًا بإدارة الأزمة أكثر من كونه تطورًا مستدامًا.
أمّا بالنسبة إلى المياه، فأشار المهندس كريم منصور، المتخصص في إدارة الموارد المائية، إلى أنّ هذا القطاع تأثّر أيضًا بشكل مباشر وغير مباشر خلال فترة الحرب. وقال: “العديد من محطات الضخّ تعتمد على الكهرباء، وعندما تتراجع التغذية أو ترتفع كلفة تشغيل المولدات، ينعكس ذلك فورًا على توزيع المياه”. وأضاف أنّ عودة الاستقرار النسبي قد تساعد في تحسين الضخّ والصيانة، لكنّ الأزمة تبقى قائمة بسبب اهتراء الشبكات وارتفاع كلفة التشغيل ونقص الاستثمارات.
ولم تقتصر المعاناة على الخدمات، بل امتدّت إلى الأسواق والأسعار التي شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال الأشهر الماضية. فقد ارتفعت أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية والنقل، نتيجة اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع كلفة الاستيراد وزيادة الطلب في بعض المناطق. إلا أنّ المواطنين يتساءلون اليوم: لماذا لم تنخفض الأسعار بعد الهدنة؟
في هذا الإطار، أوضح الخبير الاقتصادي الدكتور جاد منيمنة أنّ الأسعار في لبنان ترتفع بسرعة عند أي أزمة، لكنها لا تنخفض بالوتيرة نفسها عند تحسّن الظروف. وقال: “هناك أسباب عدّة لذلك، أبرزها غياب الرقابة الفعّالة، واستمرار تقلبات سعر الصرف، واحتساب التجار هامش مخاطر مرتفعًا تحسبًا لأي تطور جديد”. وأضاف أنّ بعض التجار يعتمدون سياسة التريّث قبل خفض الأسعار، بانتظار التأكد من استقرار الأوضاع لفترة أطول.
وأشار إلى أنّ الاقتصاد اللبناني لا يزال هشًّا، وأنّ أي هدنة مؤقتة لا تكفي وحدها لإعادة الانتعاش سريعًا، بل المطلوب إصلاحات مالية وإدارية، وتحفيز الإنتاج المحلي، وإعادة الثقة بالأسواق والمؤسسات. كما شدّد على أنّ المواطن يبقى المتضرر الأول، إذ يواجه فاتورتين للكهرباء، وكلفة مرتفعة للمياه، وأسعارًا تفوق قدرته الشرائية.
ويرى مراقبون أنّ المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على استثمار الهدوء الحالي لتحسين حياة الناس، ولو بخطوات تدريجية. فالكهرباء والمياه ليستا مجرد خدمتين، بل أساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، كما أنّ ضبط الأسعار يشكّل أولوية لا تقل أهمية.
وبين الأمل والحذر، ينتظر اللبنانيون أن تتحوّل الهدنة من مجرّد توقف للمعارك إلى فرصة فعلية لمعالجة الأزمات المتراكمة، لأنّ المواطن الذي صمد في الحرب، يحتاج اليوم إلى مقومات العيش الكريم أكثر من أي وقت مضى.












0 تعليق