هدنة على الورق فقط.. هل تريد إسرائيل فرض جنوب جديد قبل أي اتفاق؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
دخل وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيّز التنفيذ لمدّة عشرة أيام بوساطة أميركية، في خطوة يُفترض أن تفتح الباب أمام مفاوضات أوسع حول ترتيبات أمنية مستدامة. وبينما تحدّثت واشنطن عن إمكان تمديد الهدنة باتفاق الطرفين، لا يوحي المشهد الميداني في الجنوب بتهدئة فعلية، بقدر ما يعكس محاولة إسرائيلية لالتقاط أنفاس سياسية مع إبقاء فائض القوة العسكرية حاضرًا فوق الأرض.
 
ترسم التقارير الواردة من القرى الحدودية صورة قاتمة، فالقوات الإسرائيلية ما تزال متمركزة داخل الأراضي اللبنانية، وتواصل عمليات الجرف والتفجير الممنهج للأحياء السكنية. وفي الوقت الذي يحاول فيه بعض الأهالي تفقّد أرزاقهم، يصطدمون بواقع وصفته تقارير دولية بأنه "غير قابل للحياة"، نتيجة الدمار الشامل والقيود العسكرية المشددة التي تحول دون الوصول إلى مساحات واسعة، ما يجعل العودة حلمًا مؤجلًا خلف الركام.
 
من هنا، يبرز سؤال يتجاوز صمود الهدنة نفسها أو نتائج مفاوضات واشنطن المباشرة، وهي الأولى من نوعها منذ عقود. فالمخاوف تتركز اليوم على ما إذا كانت تل أبيب تستخدم "استراحة المحارب" هذه، إن جاز التعبير، لفرض وقائع ميدانية تسبق أي اتفاق نهائي، بحيث تعيد تعريف الجنوب جغرافيًا وسكانيًا، ويصبح أي تفاوض لاحق محكومًا بمعطيات رُسمت بالنار على الأرض، لا فوق الطاولات الدبلوماسية.
 
المنطقة العازلة.. جنوب يتغيّر تحت النار
 
ما يشهده الجنوب اليوم يتجاوز فكرة البقاء العسكري المؤقت في نقاط التماس. فالمعطيات تتحدث عن توغل إسرائيلي يمتد في بعض القطاعات إلى عمق يتراوح بين خمسة وعشرة كيلومترات، فيما تعمل خمس فرق عسكرية، بغطاء بحري وجوي، على ما تسميه "تفكيك البنية التحتية". وعمليًا، تحوّل هذا المصطلح إلى جرف قرى بأكملها وتسويتها بالأرض، بما يكرّس واقع "المنطقة العازلة" كأمر واقع، لا كبند تفاوضي مؤجل.
 
وتكمن الخطورة في الجمع بين التدمير المادي والتهجير القسري المنهجي. فتصريحات وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس حول تدمير المنازل القريبة من الحدود ومنع مئات آلاف اللبنانيين من العودة إلى ما دون الليطاني قبل "تأمين" الشمال، تكشف نية واضحة. فالهدف يتصل بإعادة صياغة وظيفة الجنوب اللبناني، وتحويله من فضاء سكني وزراعي حي إلى منطقة منزوعة الحياة، مضبوطة أمنيًا وفق المقاييس الإسرائيلية وحدها.
 
لهذا، لم يعد الحديث عن وقف إطلاق النار كافيًا لتوصيف ما يجري. فالميدان ينطق بسياسة عنوانها "تثبيت الوقائع". إسرائيل تستثمر الهدنة لتعزيز انتشارها المتقدم، وتحويل القرى إلى أماكن يعجز أهلها عن العيش فيها حتى لو توقفت المدافع. وهذا ما يجعل النقاش حول الجنوب نقاشًا في الديموغرافيا وهوية الأرض، حيث تسعى القوة المحتلة إلى انتزاع اعتراف ضمني بوضع جديد تصبح فيه السيادة اللبنانية منقوصة تحت ذريعة "الضرورات الأمنية".
 
مفاوضات تحت سقف القوة
 
في العاصمة الأميركية، تفتح اللقاءات المباشرة نافذة سياسية نادرة بين بيروت وتل أبيب، وسط أجواء وُصفت بالإيجابية في جولاتها الأولى. غير أنّ هذا المسار الدبلوماسي يبدو، في جوهره، منفصلًا عن الواقع الميداني. فالتمسك الإسرائيلي بالشروط القاسية، واستمرار الجرافات في هدم القرى، يوحيان بأن إسرائيل لا تفاوض انطلاقًا من رغبة فعلية في التهدئة، وإنما من موقع من يمسك بالأرض ويحاول تحويل أنقاض المنازل إلى أوراق ضغط إضافية.
 
هذا التناقض الصارخ بين هدوء الطاولة وخشونة الميدان ليس تفصيلًا عابرًا. فاستمرار التفجيرات الممنهجة خلال فترة الهدنة يعني أن التفاوض بات امتدادًا للحرب بوسائل أخرى. تسعى تل أبيب إلى الوصول إلى لحظة التوقيع النهائي وهي تمتلك جنوبًا مختلفًا: أقل سكانًا، أكثر انكشافًا عسكريًا، وأشد خضوعًا لمنطق الردع المباشر. وبهذا المعنى، تتحول الاتفاقات السياسية إلى غطاء يمنح شرعية لتحولات جيوسياسية أُنجزت فعليًا تحت غبار المعارك.
 
هنا تبرز المعضلة اللبنانية الكبرى. فبينما تتمسك الدولة بمطلب وقف إطلاق نار فعلي وصون السيادة الوطنية، يجد المفاوض اللبناني نفسه أمام سباق مع الزمن. الجنوب يعاد تشكيله يوميًا، واللغة السياسية التي تدور حول الليطاني والانتشار والسلاح تصطدم بواقع أن الأرض المعنية بالتفاوض تفقد ملامحها يومًا بعد يوم. وفي هذا السياق، تبدو الهدنة القصيرة نافذة تفاوض تستثمرها إسرائيل لتسريع إنجاز ما تريده ميدانيًا قبل أن يجف حبر أي اتفاق محتمل.
 
في المحصلة، لا يبدو الجنوب اللبناني اليوم أمام "هدنة" بالمعنى التقليدي، بقدر ما يبدو أمام سباق محموم بين الدبلوماسية والنار. فإذا نجحت إسرائيل في تكريس وقائعها الميدانية خلال هذه الأيام العشرة، فإن أي اتفاق مقبل سيولد فوق أرض تغيرت ملامحها فعليًا، ولن يشكل عودة إلى ما قبل الحرب، وإنما تكريسًا لـ"جنوب جديد" فُرض تحت النار.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على صانع القرار في بيروت: هل نحن أمام تمهيد لتسوية تحفظ الأرض والسيادة، أم أمام غطاء دولي لعملية هندسة أمنية كبرى تجعل من الهدنة جسرًا لفرض واقع احتلالي مقنّع؟
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق