لم يعد ملف السياحة في لبنان يُقارب بوصفه موسماً خدماتياً فقط، بل كمسألة اقتصادية مباشرة ترتبط بحجم السيولة الداخلة إلى البلد وقدرته على التقاط أنفاسه في ظل الانهيار المستمر. وفي وقت كان فيه لبنان يعوّل على عودة الحركة السياحية لتخفيف الضغط عن الأسواق وتغذية قطاعات واسعة بالدولار النقدي، أظهرت المؤشرات المالية الأخيرة أن إيرادات هذا القطاع تراجعت خلال معظم عام 2025 مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، ما يعني أن الحرب الدائرة في لبنان والمنطقة بدأت تترك أثرها الواضح على واحد من أكثر القطاعات ارتباطاً بالاستقرار والثقة.
المشكلة لا تكمن فقط في انخفاض العائدات، بل في دلالة هذا الانخفاض. فالسياحة في لبنان ليست قطاعاً جانبياً يمكن تعويضه بسهولة، بل تشكل رافعة أساسية لتحريك الفنادق والمطاعم ووسائل النقل والمؤسسات التجارية والأنشطة الموسمية. وعندما تتراجع مداخيلها، فإن الخسارة لا تصيب أصحاب المؤسسات السياحية وحدهم، بل تمتد إلى شبكة واسعة من الأعمال الصغيرة والمتوسطة التي تعيش على الإنفاق الآتي مع الزائرين والمغتربين. وحسب آخر الارقام، فقد تراجعت إيرادات السفر خلال الأشهر التسعة الأولى من 2025، فيما أشارت أرقام أخرى إلى أن المستوى المسجل بقي من بين الأضعف في السنوات الأخيرة إذا ما استُثنيت الفترات الأكثر صعوبة منذ الأزمة. وفي قراءة اقتصادية للمشهد، يمكن القول إن الحرب لا تضرب السياحة فقط عبر القصف أو المخاطر الأمنية المباشرة، بل أيضاً عبر مناخ الخوف الذي يسبق قرار السفر. فالسائح أو المغترب الذي يفكر بالمجيء إلى لبنان لا ينظر إلى الأسعار وحدها، بل إلى التحذيرات، وصور الاستهداف، واحتمالات توسع المواجهة في المنطقة. وهذا ينعكس سريعاً على الحجوزات، ومدد الإقامة، وحجم الإنفاق، وحتى على قرار القدوم من أساسه. لذلك فإن أي تصعيد أمني لا يُترجم فقط في تراجع عدد الزوار، بل في انكماش دورة مالية كاملة كانت الأسواق
اللبنانية تراهن عليها.
في هذا السياق، يؤكّد الدكتور الجامعي والباحث الاقتصادي وسام الغريب أن "السياحة في لبنان ليست ترفيهاً فحسب، بل وظيفة مالية أوسع. تحرك إنفاقاً في الفنادق، المطاعم، النقل، التجارة، والخدمات، وتنعش دورة نقدية نادرة في اقتصاد منهك. خلال العام الماضي، انخفضت الإيرادات بنسبة 60% مقارنة بـ2024، وهذا يعني خسارة سيولة خارجية تصل إلى مليارات الدولارات".
ويقول خلال اتصال عبر "
لبنان24": "التوتر الأمني يضرب الثقة أولاً. السائح يتردد، المغترب يعيد حساباته، وتفقد السوق زخمها في المواسم الحيوية مثل الصيف والأعياد. في 2025، تراجعت الحجوزات بنسبة 70% قبل أي قصف.. الخسارة لا تقاس بالوافدين فقط، بل بتراجع الإنفاق النقدي الذي يدعم سلسلة قطاعات".
يضيف:" السائح اللبناني يوزع إنفاقه على فنادق، مطاعم، نقل، وتجارة، مما يخلق فرص عمل موسمية لآلاف العائلات. عندما ينخفض التدفق، تنكمش مبيعات التجارة بنسبة 40%، ويضعف الطلب على النقل، وتتراجع فرص العمل. لبنان يعتمد على الخدمات لتعويض ضعفه الإنتاجي، فأي ضربة تنعكس على السيولة والاستهلاك الداخلي في اقتصاد يعاني انكماشاً مزمناً، مشددًا على ان لسياحة تقوم على الثقة والصورة. تضرر صورة لبنان كوجهة آمنة يطيل التعافي، حتى لو بقيت البنى التحتية جاهزة. استعادة الثقة تحتاج سنوات، لا أشهراً. وإذا استمرت الحرب أو التصعيد الإقليمي، يتكرس لبنان كوجهة مخاطرة، مما يؤثر على شركات السفر، الحجوزات، السياحة العربية، والمغتربين.
بالتالي، تزداد خطورة هذا المسار لأن لبنان يعتمد عملياً على القطاعات الخدماتية أكثر مما يعتمد على قاعدة إنتاجية صلبة. وعليه، فإن تراجع المداخيل السياحية لا ينعكس فقط على النمو، بل على حجم العملة الأجنبية المتداولة في السوق، وعلى قدرة المؤسسات على الاستمرار، وعلى فرص العمل الموسمية والدائمة معاً. كما أن الحرب السابقة كانت قد أظهرت بوضوح أن قطاعات السياحة والضيافة من بين أول المتضررين، سواء من خلال إلغاء الحجوزات أو توقف الأعمال أو انكماش الطلب الداخلي والخارجي. تقارير
الأمم المتحدة أشارت بالفعل إلى أن الحرب أضعفت مساهمة السياحة في الاقتصاد اللبناني وأدت إلى تعطيل واسع في الأعمال المرتبطة بها، فيما تحدث تقييم أممي آخر عن انهيار في الحجوزات وخسائر وظيفية في قطاع الضيافة والسياحة. اقتصادياً، الخشية الأساسية اليوم ليست فقط من خسارة موسم أو تراجع عابر في الإيرادات، بل من ترسخ صورة لبنان كوجهة غير مستقرة، وهو ما يجعل استعادة الزخم السياحي أكثر صعوبة حتى بعد تراجع التوتر. فالقطاع يعيش أصلاً على الثقة والانطباع، وأي اهتزاز طويل في هذين العاملين يرفع كلفة التعافي لاحقاً. كذلك فإن التراجع الحالي يأتي في وقت لا يملك فيه لبنان بدائل اقتصادية جاهزة تعوّض هذا النقص، بعدما تحولت السياحة في السنوات الأخيرة إلى أحد آخر المنافذ التي تؤمن تدفقاً نقدياً سريعاً إلى الداخل.
وبذلك كل تراجع في هذا القطاع يعني مزيداً من الضغط على الدخل، وعلى المؤسسات، وعلى القدرة الشرائية، وعلى الحركة الاقتصادية في بلد كان يعوّل مرة جديدة على الصيف والوافدين والمغتربين لتخفيف أزمته. وفي ظل استمرار الحرب واتساع القلق الإقليمي، يبدو أن لبنان لا يخسر فقط زواراً محتملين، بل يخسر أيضاً جزءاً من المورد الذي كان لا يزال يمنحه هامشاً محدوداً من الصمود.
0 تعليق