.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
السبت 09/مايو/2026 - 07:40 م 5/9/2026 7:40:56 PM
هذا المقال ليس طرحًا نظريًا مجردًا، ولا محاولة للاشتباك مع مؤسسة بحجم الأزهر الشريف، وإنما هو اجتهاد فكري وقانوني أقدمه إلى الدولة المصرية وإلى الأزهر الشريف ذاته، في محاولة لنقل السلسلة من مجرد (نقد قانون حالي) إلى (مشروع بناء تشريعي متكامل) لوضع مقترح ملامح أولية لمحاور وثيقة تأسيسية جديدة، أو مشروع فلسفة قانونية حديثة للأزهر الشريف، تواكب تحولات العصر، وتحفظ في الوقت نفسه مكانة هذه المؤسسة العريقة واستقلالها وهيبتها التاريخية.
فالقضية لم تعد مرتبطة فقط بتعديل بعض المواد أو إضافة نصوص جديدة، بل أصبحت مرتبطة بإعادة تصور البناء المؤسسي والقانوني للأزهر كله، بما يجعله أكثر قدرة على أداء رسالته الدينية والعلمية والوطنية والدولية في عالم شديد التعقيد والتغير.
والآن لم يعد السؤال اليوم: هل يحتاج الأزهر إلى قانون جديد؟ بل أصبح السؤال الأصح: كيف يمكن بناء قانون يليق بأزهر القرن الحادي والعشرين، ويحافظ في الوقت نفسه على قدسية تاريخه واستقلاله ومكانته العالمية؟
وأتصور هذا المقترح في صورة محاور تأسيسية متتابعة، تضع الفلسفة المقترحة للقانون الجديد وليس التفاصيل، وتمر على أبرز الثغرات والإشكاليات التي كشفها الواقع العملي عبر العقود الماضية، ثم تحاول تقديم معالجات حديثة لها في إطار مؤسسي متكامل.
ولا أدّعي أن هذا الطرح يمثل مشروعًا قانونيًا مكتملًا، بقدر ما أراه خطوة أولى تحتاج إلى كثير من الدراسة والحوار وبناء التفاصيل التشريعية والفنية الدقيقة داخل كل محور، حتى يتحول النقاش من مجرد انتقاد الواقع إلى محاولة جادة لإعادة بناء فلسفة قانونية جديدة للأزهر الشريف، وفيما يلي عرض لهذه المحاور على النحو التالي:
المحور الأول: الأحكام العامة وفلسفة الأزهر الجديدة:
1) إعادة تعريف الأزهر الشريف:
وهذا من أهم محاور هذ المقترح، لأنه سيعيد تعريف الأزهر نفسه بصورة مناسبة لتحديات العصر، ويقترح تصحيح التعريف فيما نصه:
يُعد الأزهر الشريف المرجعية الإسلامية الوسطية العليا لجمهورية مصر العربية وللعالم الإسلامي، ومؤسسة دينية وعلمية وتعليمية ودعوية عالمية مستقلة، تقوم على حفظ التراث الإسلامي وعلومه ودراسته وتحقيقه وتجديد أدوات عرضه ونشره، وتلتزم ببيان صحيح الدين الإسلامي وفق منهجه الوسطي المعتدل، وترسيخ قيم التسامح والتعايش وقبول الآخر، ومواجهة التطرف والانحراف الفكري وخطابات الكراهية والعنف باسم الدين، بما يسهم في حماية الأمن الفكري والمجتمعي والحفاظ على الهوية الوطنية والثقافية للدولة المصرية والأمة العربية والإسلامية.
ويعمل الأزهر الشريف على إعداد علماء وباحثين ودعاة ومتخصصين يجمعون بين علوم الدين وعلوم العصر، ويؤهلهم للمشاركة في مسارات التنمية والمعرفة والإنتاج والبحث العلمي وخدمة المجتمع، بما يحقق الربط بين العقيدة والسلوك، وبين القيم الدينية ومتطلبات الدولة الحديثة، ويؤكد دور الدين في بناء الإنسان وترقية الحضارة وصيانة الاستقرار المجتمعي.
كما يختص الأزهر الشريف بدعم الدراسات الإسلامية والعربية والإنسانية، والارتقاء باللغة العربية ولغة القرآن الكريم، وخدمة الثقافة الإسلامية، وتعزيز التواصل الحضاري والعلمي مع المؤسسات والجامعات والهيئات العلمية والدينية والفكرية داخل مصر وخارجها، وتأكيد دور مصر الحضاري والإنساني والإقليمي من خلال رسالته العالمية، باعتباره أحد أهم أدوات القوة الناعمة المصرية.
ويمثل الأزهر الشريف المرجع النهائي في كل ما يتعلق بشؤون الإسلام وعلومه وتراثه واجتهاداته الفقهية ومقاصده الشرعية، وذلك وفق أحكام الدستور والقانون.
والأزهر الشريف هيئة مستقلة تتمتع بالشخصية الاعتبارية العامة والاستقلال الفني والعلمي والإداري والمالي، وتمارس اختصاصاتها في إطار الدولة المصرية وسيادتها الوطنية وثوابتها الدستورية، ويكون مقره الرئيسي مدينة القاهرة، ويجوز له إنشاء فروع ومراكز ومعاهد وكليات وهيئات ومكاتب داخل جمهورية مصر العربية وخارجها وفقًا للقانون.
ويُحظر حظرًا مطلقًا تفويض أي جهة خارجية أو دولة أجنبية، أو أي كيان غير تابع للأزهر الشريف، بممارسة أي من اختصاصاته أو حقوقه أو مهامه أو تمثيل مؤسساته أو أداء دوره العلمي والدعوي والفكري أو إدارة شؤونه الداخلية أو الخارجية، أو التدخل في رسم سياساته أو توجيه قراراته أو التأثير على استقلاله، وذلك تأكيدًا على أن الأزهر الشريف مؤسسة وطنية مستقلة ذات سيادة علمية ودينية، تمارس رسالتها في إطار الدولة المصرية ووفقًا للدستور والقانون، وبما يحفظ هويته ومكانته ومرجعيته الوسطية.
ويكفل الدستور والقانون استقلال الأزهر الشريف، واستقلال الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، ويكون منصبه غير قابل للعزل، وتلتزم الدولة بدعم الأزهر وتمكينه من أداء رسالته العلمية والدعوية والوطنية والعالمية، وتوفير الاعتمادات والإمكانات اللازمة لذلك، بما يحفظ مكانته وهيبته واستقلاله، ويعزز دوره في خدمة المجتمع والدولة والإنسانية.
2) تعريف جديد لمنصب الإمام الأكبر واختصاصاته:
وهنا نعرض فلسفة جديدة تمامًا، على النحو التالي:
يُعد الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف المرجعية العليا للشؤون الإسلامية بالأزهر الشريف، ورئيس المؤسسة الأزهرية بجميع هيئاتها وقطاعاتها، والممثل الرسمي لها محليًا وإقليميًا ودوليًا، والمسؤول الأعلى عن رسم السياسة العلمية والدعوية والفكرية والتعليمية للأزهر الشريف، والإشراف على تنفيذ رسالته الدينية والوطنية والإنسانية، بما يحقق الحفاظ على صحيح الدين الإسلامي ومنهجه الوسطي، وصون الهوية الوطنية، وتعزيز الأمن الفكري والمجتمعي.
ويباشر الإمام الأكبر اختصاصاته باستقلال كامل وفقًا لأحكام الدستور والقانون، ويكون منصبه غير قابل للعزل، باعتباره رمزًا لاستقلال المرجعية الدينية الوسطية في الدولة المصرية، ويعاونه في أداء مهامه جهاز إداري وفني واستشاري متكامل ينظمه القانون.
ويُشغل منصب الإمام الأكبر عن طريق هيئة كبار العلماء التي يُحدد القانون تشكيلها، وتتولى فحص ملفات المرشحين وفق معايير موضوعية معلنة، على أن يُعرض المرشحون المستوفون للشروط على هيئة كبار العلماء للتصويت السري المباشر، ثم يصدر قرار رئيس الجمهورية للاعتماد بوصفه إجراءً دستوريًا وتنظيميًا لإعلان شغل المنصب.
ويلتزم كل مرشح لمنصب الإمام الأكبر بتقديم رؤية أو برنامج علمي وإداري ودعوي يوضح فلسفته في إدارة الأزهر الشريف وتطوير مؤسساته وآليات أداء رسالته محليًا ودوليًا.
ويشترط فيمن يُرشح لمنصب الإمام الأكبر: أن يكون مصري الجنسية متمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية، ومن خريجي الأزهر الشريف، وحاصلًا على درجة الدكتوراه أو ما يعادلها في أحد تخصصات العلوم الشرعية أو العربية أو الإسلامية، وأن يكون له إنتاج علمي وبحثي موثق ومحكم، وسجل علمي ودعوي يعكس المنهج الوسطي المعتدل، وخبرة قيادية وإدارية مناسبة لطبيعة المنصب، مع إجادة لغة أجنبية واحدة على الأقل، وألا يكون منتميًا إلى أي حزب أو تنظيم سياسي وقت ترشحه أو خلال شغله المنصب، وأن تثبت قدرته الصحية والإدارية على مباشرة مسؤوليات المنصب وأعبائه العلمية والدولية والمؤسسية.
ويعامل شيخ الأزهر معاملة رئيس مجلس الوزراء من حيث الدرجة والراتب والمعاش.
3) هيئة مكتب الإمام الأكبر شيخ الأزهر:
ويكون للإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف هيئة مكتب مركزية دائمة، تُعد الجهاز التنفيذي والإداري والفني المعاون له في إدارة شؤون الأزهر الشريف محليًا ودوليًا، وتتولى متابعة تنفيذ السياسات والقرارات والخطط الاستراتيجية الصادرة عن الإمام الأكبر والمجلس الأعلى للأزهر، بما يضمن كفاءة الأداء المؤسسي واستمرارية العمل وتكامل القطاعات المختلفة.
ويترأس هيئة المكتب رئيس قطاع بدرجة نائب وزير أو ما يعادلها، من ذوي الخبرات الإدارية والمؤسسية والقانونية الرفيعة، ويُعين بقرار من الإمام الأكبر وفقًا للضوابط التي يحددها القانون، ويتولى الإشراف العام على أعمال الهيئة وأجهزتها المختلفة، والتنسيق بين قطاعات الأزهر وهيئاته ومكاتبه الداخلية والخارجية.
وتضم هيئة المكتب عددًا من الإدارات والوحدات التخصصية، من بينها: إدارة الشؤون المحلية ومتابعة الهيئات الأزهرية، وإدارة العلاقات الدولية والتعاون الخارجي، وإدارة التخطيط والتطوير المؤسسي والتحول الرقمي، وإدارة الإعلام والاتصال الاستراتيجي، وإدارة الدراسات والبحوث والسياسات الفكرية، وإدارة الأزمات والرصد المجتمعي، وإدارة الشؤون القانونية والتشريعية، وإدارة المراسم والزيارات الدولية، إلى جانب جهاز مركزي للمتابعة والتقييم والرقابة المؤسسية.
ويختص جهاز المتابعة والرقابة المؤسسية بمتابعة الأداء الإداري والعلمي والمالي والفني لكافة قطاعات وهيئات الأزهر الشريف، وقياس معدلات الإنجاز والكفاءة، ورصد أوجه القصور والتحديات، ورفع تقارير دورية مباشرة إلى الإمام الأكبر تتضمن التوصيات والإجراءات التصحيحية المقترحة، بما يحقق الانضباط المؤسسي ويرسخ مبادئ الحوكمة والشفافية والتطوير المستمر.
ويجوز لهيئة المكتب الاستعانة بالخبرات الوطنية والدولية والمتخصصين من داخل الأزهر الشريف أو من خارجه في المجالات العلمية والإدارية والفكرية والتقنية والإعلامية، وفقًا للقواعد التي ينظمها القانون، بما يدعم قدرة الأزهر الشريف على أداء رسالته العالمية ومواكبة التحديات المعاصرة.
4) وزير شئون الأزهر:
في إطار إعادة تنظيم العلاقة المؤسسية بين الدولة المصرية والأزهر الشريف، يُقترح أن يكون رئيس مجلس الوزراء هو وزير شؤون الأزهر، بوصفه المسؤول التنفيذي الأعلى عن التنسيق بين الدولة والأزهر، وضمان اتساق السياسات العامة للدولة مع استقلال المؤسسة الأزهرية وطبيعة دورها الديني والعلمي والدعوي.
ويمارس رئيس مجلس الوزراء بصفته وزير شؤون الأزهر اختصاصات تنسيقية وليست تدخّلية، تقوم على دعم استقلال الأزهر وتمكينه، وليس إدارته أو توجيهه، بما يحفظ للأزهر مكانته كمرجعية دينية وسطية عليا، وفي الوقت ذاته يضمن تكامل دوره مع السياسات العامة للدولة المصرية، وتشمل اختصاصات وزير شؤون الأزهر ما يلي: التنسيق بين مؤسسات الدولة والأزهر في القضايا ذات البعد الديني أو الفكري أو المجتمعي، ومتابعة تنفيذ الالتزامات الدستورية والقانونية الخاصة بدعم الأزهر وتمكينه ماليًا وإداريًا، والعمل على إزالة التعارض بين السياسات الحكومية والقرارات ذات الصلة بالشأن الأزهري، بما يضمن وحدة الرؤية الوطنية في قضايا الخطاب الديني والأمن الفكري.
كما يتولى متابعة ملف تمويل الأزهر وضمان استدامة موارده في إطار الموازنة العامة للدولة، دون التدخل في استقلاله العلمي أو الإداري، بالإضافة إلى دعم حضور الأزهر في الملفات الدولية ذات البعد الديني والحضاري بالتنسيق مع وزارة الخارجية والأجهزة المعنية، باعتباره أحد أدوات القوة الناعمة للدولة المصرية، ويكون وزير شؤون الأزهر حلقة وصل عليا بين الدولة والأزهر، تضمن احترام استقلال المؤسسة الأزهرية من جهة، وتحقيق التكامل الاستراتيجي بينها وبين مؤسسات الدولة من جهة أخرى، بما يعزز دور الأزهر في حماية الهوية الدينية والوطنية، ودعم الاستقرار الفكري والمجتمعي في مصر والعالم الإسلامي.
5) تطوير منصب وكيل الأزهر:
ويكون للأزهر الشريف ثلاثة وكلاء يعاونون الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف في إدارة شؤون المؤسسة الأزهرية، ويُشكلون معه البنية التنفيذية العليا للأزهر، بما يحقق التوزيع المؤسسي المتوازن للاختصاصات، ويُراعي اتساع الدور المحلي والدولي والعلمي والدعوي للأزهر الشريف، على أن تُحدد اختصاصات كل وكيل وشروط شغل المنصب واختصاصاته التفصيلية وفقًا لأحكام القانون واللائحة التنفيذية، مع الالتزام بالحد الأدنى من الشروط والاختصاصات المنصوص عليها في هذا القانون.
ويُعين وكلاء الأزهر بترشيح من الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف، وبعد موافقة المجلس الأعلى للأزهر، ويصدر بتعيينهم قرار من رئيس الجمهورية باعتباره إجراءً تنظيميًا لاعتماد شغل المنصب، وذلك لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات ق


















0 تعليق