بدأت ملامح الصراع تتشكل بوضوح في الأفق السياسي مع تزايد التحركات العسكرية التي تستهدف إيران بشكل مباشر ومكثف خلال الساعات الأخيرة الماضية. تعكس هذه التحركات رغبة إسرائيلية جامحة في إنهاء حالة الركود الدبلوماسي التي خيمت على المنطقة منذ توقيع اتفاقيات التهدئة الأخيرة التي تبدو الآن وكأنها تلفظ أنفاسها الأخيرة في ظل التصعيد المستمر.
حسب تقرير لشبكة سي إن إن الأميركية فإن التنسيق بين تل أبيب وواشنطن وصل إلى مراحل متقدمة للغاية لاحتواء أي طارئ عسكري. يشير المصدر الإسرائيلي المسؤول إلى أن الخطط الموضوعة تهدف بالأساس إلى التعامل مع سيناريو انهيار الهدنة التي لم تعد قادرة على صمودها أمام الضربات المتبادلة في الممرات المائية الدولية الحيوية للتجارة العالمية.
تتجه الأنظار الآن نحو القواعد الجوية والمنصات الصاروخية التي تستعد للتحرك فور صدور الأوامر النهائية من القيادة السياسية والعسكرية العليا في كلا البلدين. إن حالة الاستنفار القصوى التي تعيشها المنطقة تعيد للأذهان فترات الصراع المفتوح الذي يهدد استقرار إمدادات الطاقة العالمية ويزيد من تعقيدات المشهد الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط الملتهبة بالصراعات.
تؤكد المصادر المطلعة أن الترتيبات الحالية ليست وليدة اللحظة بل هي نتاج اجتماعات مكثفة جرت خلف الأبواب المغلقة لتحديد بنك الأهداف النوعية بدقة متناهية. تهدف هذه الاستراتيجية إلى شل القدرات الهجومية للخصم ومنعه من القيام بأي رد فعل عسكري واسع قد يؤدي إلى حرب إقليمية شاملة لا يرغب فيها أحد في الوقت الراهن.
كواليس المخططات العسكرية واستهداف البنية التحتية
كشف المسؤول الإسرائيلي عن نية واضحة للتركيز على قطاع الطاقة الإيراني باعتباره الشريان الحيوي الذي يغذي العمليات العسكرية والتحركات الميدانية للقوات المسلحة المختلفة. تتضمن الخطط الموضوعة مسبقاً قائمة طويلة من المواقع الحساسة التي تم رصدها وتحديث معلوماتها الاستخباراتية بشكل دوري لضمان تحقيق أقصى درجات التأثير عند البدء في تنفيذ الهجمات الجوية والبرية.
لا تقتصر الأهداف على المنشآت المادية فحسب بل تمتد لتشمل عمليات اغتيال موجهة تستهدف كبار المسؤولين والقادة الذين يديرون الملفات الأمنية والعسكرية الحساسة في طهران. يرى المخططون العسكريون أن تغييب هذه الشخصيات عن المشهد سيؤدي حتماً إلى حالة من الإرباك والارتباك في صفوف القوات المدافعة ويسهل من عملية تحقيق الانتصارات العسكرية السريعة والمباشرة.
أوضح التقرير الإعلامي أن معظم هذه الخطط والسيناريوهات كانت جاهزة تماماً للتنفيذ قبل الدخول في اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في شهر أبريل الماضي. يبدو أن الجانب الإسرائيلي لم يثق يوماً في استدامة هذا الاتفاق وظل يعمل على تطوير قدراته الهجومية وتحديث بنك أهدافه تحسباً للحظة التي ينهار فيها كل شيء وتعود المدافع للحديث.
يسعى القادة في تل أبيب من خلال هذه الحملة العسكرية المحتملة إلى ممارسة أقصى درجات الضغط الميداني لإجبار الطرف الآخر على تقديم تنازلات جوهرية في ملفات التفاوض العالقة. إن استخدام القوة العسكرية كأداة سياسية يبدو الخيار الأبرز حالياً في ظل انسداد الأفق الدبلوماسي وفشل الوسطاء في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتصارعة على النفوذ.
اشتعال مضيق هرمز ومواجهات مشروع الحرية
انتقلت ساحة المواجهة بشكل دراماتيكي إلى مياه مضيق هرمز حيث شهدت الساعات الماضية اشتباكات عنيفة بين البحرية الأميركية وزوارق سريعة تابعة للحرس الثوري الإيراني. جاء هذا التصعيد الميداني رداً على محاولات اعتراض السفن التجارية وناقلات النفط التي تعبر هذا الممر المائي الاستراتيجي الذي يمثل عنق الزجاجة للاقتصاد العالمي المعتمد على موارد الطاقة الخليجية.
أعلن الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية عن نجاح قواته في التصدي لهجوم صاروخي مكثف استهدف مدمرتين وسفن شحن كانت تبحر في المنطقة الدولية. استخدمت القوات الأميركية أنظمة دفاعية متطورة لإسقاط طائرات مسيرة وصواريخ كروز تم إطلاقها من منصات ساحلية مما حال دون وقوع إصابات أو أضرار مادية جسيمة في الأسطول البحري.
أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب عملية عسكرية واسعة تحت مسمى مشروع الحرية تهدف بشكل أساسي إلى تأمين مسارات الملاحة وإخراج السفن العالقة في منطقة الخليج. تأتي هذه الخطوة لتعكس إصرار واشنطن على عدم السماح بأي تهديد يمس حرية التجارة العالمية حتى لو استدعى ذلك الانخراط في مواجهات مباشرة ومحدودة لردع القوى التي تعبث بالأمن البحري.
من جانبه أطلق الجانب الإيراني تحذيرات شديدة اللهجة على لسان قادة الحرس الثوري معتبرين أن أي وجود عسكري أميركي في المضيق هو هدف مشروع لقواتهم الصاروخية. يزيد هذا الخطاب التصعيدي من احتمالات وقوع أخطاء حسابية قد تؤدي إلى انفجار الموقف بشكل لا يمكن السيطرة عليه مما يضع المنطقة برمتها على حافة الهاوية العسكرية والأمنية.
رهانات ترمب السياسية ومستقبل المفاوضات النووية
أشار الرئيس دونالد ترمب في تصريحاته الأخيرة إلى أن الحسم العسكري قد يكون الطريق الأقصر لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الأميركية في حال استمرار التعنت الإيراني في المفاوضات. يرى ترمب أن مهلة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع قد تكون كافية لتوجيه ضربات قاصمة تجبر الخصم على العودة إلى طاولة الحوار بشروط تضمن الأمن والاستقرار الدائم في المنطقة.
يركز الخطاب السياسي الأميركي الحالي على ضرورة منع طهران من امتلاك السلاح النووي باعتباره الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه تحت أي ظرف من الظروف السياسية. يقلل الرئيس الأميركي من شأن التهديدات الصاروخية التقليدية مقارنة بالخطر النووي مؤكداً أن تدمير البنية التحتية الاقتصادية سيؤدي تلقائياً إلى تجفيف منابع تمويل الجماعات المسلحة الموالية للطرف الآخر.
هناك استراتيجية أميركية واضحة تهدف إلى التمييز بين الجيش النظامي والحرس الثوري حيث يتم تجنب استهداف الوحدات العسكرية التقليدية لإبقاء الباب مفتوحاً أمام القوى المعتدلة. تراهن واشنطن على أن الضغط الاقتصادي والعسكري المركز سيؤدي في النهاية إلى تغيير في السلوك السياسي دون الحاجة إلى تدمير شامل لمؤسسات الدولة التي قد تلعب دوراً مستقبلياً.
يبقى القرار النهائي بشأن استئناف الحرب الشاملة معلقاً بمدى استجابة الأطراف لجهود الوساطة الباكستانية التي تحاول جاهدة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من اتفاق الهدنة المترنح. إن الأيام القادمة ستكون حاسمة في تحديد مسار الصراع فإما الذهاب نحو اتفاق شامل يرضي جميع الأطراف أو الدخول في نفق مظلم من المواجهات العسكرية المفتوحة والمدمرة.

















0 تعليق