الإثنين 04/مايو/2026 - 08:47 م 5/4/2026 8:47:04 PM
وصفت دينيس براون، منسقة الأمم المتحدة للشئون الإنسانية فى السودان، الوضع فى السودان بأنه «حفرة مظلمة عميقة تزداد عمقًا وظلامًا»، معتبرة أن الأزمة فى البلاد مهملة وتستدعى انتباهًا بالغًا من الجميع، لأن حجم الكارثة الإنسانية هائل، خاصة مع زيادة عدد المتضررين.
وقالت، فى حوارها مع «الدستور»، إن مصر لعبت دورًا محوريًا، فى استقبال نحو مليون لاجئ سودانى خلال الحرب، معتبرة ذلك عددًا كبيرًا جدًا فى فترة زمنية قصيرة جدًا، ودلالة على سخاء الدولة المصرية خاصة مع دمج هؤلاء الأشخاص فى المجتمع، مطالبة المجتمع الدولى بالاهتمام بالسودان بنفس القدر الذى يوليه لأجزاء أخرى من العالم.
■ كيف تقيّمين حجم الكارثة الإنسانية فى السودان الآن؟
- الوضع الإنسانى فى السودان حفرة مظلمة عميقة تزداد عمقًا وظلامًا. لقد عملتُ فى أماكن كثيرة خلال مسيرتى المهنية، ورأيت الطفل الذى يعانى سوء التغذية أو الحصبة، سواءً فى السودان أو الصومال أو جمهورية إفريقيا الوسطى أو أوكرانيا، لكن الفرق فى السودان هو العدد الهائل من المحتاجين، وهو ليس عددًا ثابتًا، ويجب أن نعامل هؤلاء الأطفال بالتساوى.
وتشير البيانات المتوافرة لدينا إلى نحو ١٠ ملايين نازح، وهذا العدد يُعادل تقريبًا عدد سكان مدن كبيرة جدًا ولكن هذا العدد يتغير أيضًا. كنتُ فى النيل الأزرق الأسبوع الماضى، ولأنها قريبة من بؤر الصراع، فإن الناس يتدفقون إليها باستمرار.
والأمر لا يقتصر على مدى تضرر الناس فحسب، بل يتعلق أيضًا بالعدد الهائل من المتضررين، وهو الأكبر فى العالم من حيث الأزمات الإنسانية.
■ كيف يعيش المدنيون فى الفاشر خاصة من ناحية الغذاء والماء والرعاية الصحية؟.. وهل توجد أى ممرات إنسانية آمنة؟
- كما تعلمون، ظلّت مدينة الفاشر محاصرة لأكثر من ٥٠٠ يوم، وهى فترة طويلة للغاية لم تتمكّن خلالها قوافل المساعدات الإنسانية أو التجارية، ولا أى إمدادات أساسية للأسواق والمستشفيات، من الدخول.
وعندما فُكّ الحصار فى أكتوبر، ما زالت تداعياته المروّعة تصدمنا حتى اليوم. ومع ذلك، أصبح الوصول ممكنًا بعد مفاوضات مبدئية استغرقت شهرين، ما أتاح لنا أخيرًا الدخول. واليوم، سواء عبر الأمم المتحدة أو منظمات المجتمع المدنى أو غيرها، بات بالإمكان إيصال الإمدادات إلى المستشفى، ودعم النازحين داخل المدينة، ومراجعة شبكة المياه لضمان حصول السكان على مياه نظيفة.
لقد تمكّنا من الوصول الآن، لكن حجم الدمار هائل، والناس هناك فى أمسّ الحاجة إلى المساعدة، ومع ذلك، فإن القدرة على الوصول تمثّل خطوة أولى بالغة الأهمية.
■ ما أبرز التحديات التى تواجهكم فى السودان؟
- نعمل فعليًا فى منطقة حرب داخل السودان، وتعرّضت قوافلنا الإنسانية، خاصة التابعة للأمم المتحدة، لهجمات بطائرات مسيّرة، وفقدنا خلالها عددًا كبيرًا من عمال الإغاثة تجاوز ١٣٠ شخصًا، معظمهم من الزملاء السودانيين الذين يبذلون جهودًا جبارة.
السودان بلد شاسع، يعادل فى مساحته فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا مجتمعة، وتعتمد قوافلنا وفرقنا بشكل كبير على شبكة الطرق، لكن بعض الطرق الرئيسية يقع على خطوط المواجهة، ما يضطرنا إلى استخدام مسارات ضيقة للغاية.
ومع بداية موسم الأمطار، تصبح الحركة أكثر صعوبة بسبب طبيعة التربة السودانية الثقيلة التى تتحول إلى كتلة لزجة تعوق مرور الشاحنات، كما حدث مؤخرًا فى أبوجبيهة بجنوب كردفان، حيث غزارة المطر جعلت إيصال المياه والإمدادات شبه مستحيل.
ورغم هذه التحديات، أحرزنا تقدمًا مهمًا فى العمل مع السلطات فى الخرطوم بشأن تصاريح السفر والتأشيرات، مما أتاح لنا الدخول إلى دارفور.
علينا أن نكون حيث يحتاج الشعب السودانى إلى الدعم، فى أى مكان داخل هذا البلد، ولذلك فإن القدرة على التنقل تمثل إنجازًا بالغ الأهمية، وأنا ممتن جدًا لذلك.
■ ماذا عن وضع المرأة السودانية اليوم فى ظل الحرب؟
- تشهد دارفور مستويات مرتفعة للغاية من العنف الجنسى المرتبط بالنزاعات، خاصة من قبل قوات الدعم السريع، وهى حقائق موثّقة من قِبل الأمم المتحدة ومنظمة أطباء بلا حدود.
ومع ذلك، فإن النساء السودانيات اللواتى التقيت بهن، وهن بالآلاف، يثبتن قدرة استثنائية على حماية أسرهن، إذ يحملن أطفالهن وينقلنهم إلى أماكن أكثر أمانًا.
التقيت نساءً فى الطويلة، وفى الأبيض بشمال كردفان بعد أن هربن من جنوب كردفان، كما التقيت أخريات فى النيل الأزرق والدمازين فررن من الصراع هناك. هؤلاء النساء لا يرغبن فى أن يُصوَّرن كضحايا فحسب، إنهن يسعين للعمل لكسب المال ولرعاية أسرهن، فى الواقع يتمتعن بقوة واستقلالية لافتة، ولمست ذلك حين جلست معهن لشرب الشاى، ورسم الحناء، والاستماع إلى قصصهن، حيث لاحظت حسًّا فكاهيًا رائعًا وروحًا من الصداقة العميقة.
نعم، الحرب جلبت معاناة لا توصف لشعب السودان، وخاصة النساء والأطفال، لكن نساء السودان يواجهن هذه المعاناة بشجاعة وصلابة، ولا شك أنهن سينتصرن فى نهاية المطاف.
■ لماذا لا يحظى السودان بنفس القدر من الاهتمام من المجتمع الدولى؟
- إنه سؤال بالغ الصعوبة بالنسبة لى، لأننى أعيش فى السودان وأعايش تفاصيله يوميًا. الأمم المتحدة موجودة هنا، وكذلك المنظمات غير الحكومية، ونولى الوضع وقتًا واهتمامًا كبيرين.
لذلك، فإن أى تفسير لغياب الاهتمام الدولى بالسودان مقارنة بأزمات أخرى يبقى مجرد تكهّن. أحيانًا يبدو الأمر معقدًا للغاية، وكأن السؤال هو: من أين نبدأ؟ وإذا عدنا إلى دارفور قبل عشرين عامًا، نرى أن النمط يتكرر، لكن هذا لا يمكن أن يكون عذرًا.
لقد وثّقنا مجازر جماعية، منها مقتل ٦ آلاف شخص فى ٣ أيام بالفاشر، ووثّقنا آلاف الحالات من العنف الجنسى المرتبط بالنزاع، كما أن لجنة تقصّى الحقائق المستقلة التابعة لمجلس حقوق الإنسان فى الأمم المتحدة تحدّثت عن سمات الإبادة الجماعية.
والسؤال الذى يفرض نفسه: إلى أى مدى يجب أن تتفاقم الأمور حتى يستنكرها العالم بأسره؟
يشبه الأمر أن يجلس المرء فى موقف ما ويرى كارثة أمامه، لكنه يتردّد: هل يتحدث هو أم ينتظر أن يتحدث شخص آخر؟ هذا ما يحدث هنا، لا أنكر وجود جهود، لكنها حتى الآن لم تكن كافية لإحداث تغيير يضع حدًا لهذه الحرب.
■ هل يمكننا القول إن الوضع فى السودان أسوأ مما يحدث فى غزة منذ عام ٢٠٢٣؟
- لدينا طفل فى السودان، طفل فى غزة، طفل فى أوكرانيا، يجب أن نعامل هؤلاء الأطفال بنفس الطريقة، إنهم يعانون بنفس القدر. الفرق الوحيد الذى أراه فى السودان هو حجم الكارثة الهائل، إنها ضخمة للغاية. إن محاولتنا المستمرة للتكيف مع احتياجات ١٨ مليون نسمة تُشكل تحديًا هائلًا لنا فى بلد شاسع كهذا، هذا هو الفرق الوحيد الذى أراه.
أحيانًا يتحدث الناس عن أزمة منسية. كما تعلم أنا لا أتحدث عن السودان كأزمة منسية، بل كأزمة مهملة، لأن نسيان شىء ما ليس مقصودًا، أما إهماله فهو مقصود. لقد عملتُ فى العديد من البلدان حيث نقول: «لقد نسينا تلك الأزمة»، لكن أى شخص قد ينسى كما تعلم، أنا أنسى الأشياء طوال الوقت، إنها طبيعة بشرية ولكنك تتخلى عن شىء ما وأنت تعلم بوجوده وتتجاهله، الرسالة هى «توقف عن تجاهله».
إنه وضع مؤلم للغاية أن نرى هذا المستوى من المعاناة، خاصة الأطفال المصابين بالحصبة وسوء التغذية والصدمات النفسية، لكن إذا لم نواجه ذلك، فكيف ندعم السودانيين لإيجاد طريق للمضى قدمًا؟ لذا انظر إلى الأمر وتعامل معه.
■ كيف يمكننا تحقيق السلام فى السودان بعد كل هذه المعاناة؟
- هناك العديد من مبادرات السلام المحلية فى السودان، سواء كانت دينية أو من الأكاديميين، أو حتى من لجان السلام المحلية التى ألتقى بها خلال أسفارى. هؤلاء أناس مصممون على إيجاد السلام، أعتقد أن الجهود الخارجية بحاجة أيضًا إلى فهم آلية عمل هذه المبادرات المحلية، لكن عليهم أيضًا فهم موارد الصراع وكيفية خروجها من البلاد، وكيف تدخل الأسلحة. هناك قرار من مجلس الأمن بشأن دارفور يتعلق بالأسلحة، لذا أعتقد أننا بحاجة إلى ربط أفضل بين ما يحدث فى البلاد على المستوى المحلى وهذه المحادثات رفيعة المستوى خارج البلاد.
■ ما المطلوب بشكل عاجل من المانحين والقوى الكبرى الآن؟
- أولًا: الاهتمام بالسودان بنفس القدر الذى نوليه لأجزاء أخرى من العالم، لأننا ببساطة لا نوليه نفس القدر من الاهتمام. الأمر الثانى: أنا أول من يعترف بأنى أعلم أن الأمر معقد، فأنا أعمل هنا يوميًا، وهناك من يحاولون إيجاد حلول بالفعل ولكن لا بد من تمويل على الأقل استجابتنا الإنسانية، التى لم يتم تمويلها سوى بنسبة ١٨٪. فليوفروا على الأقل التمويل الذى يسمح لشعب السودان بالعيش بكرامة، وهذا لا يحدث بالكامل، لقد أحرزنا بعض التقدم، لكنه من الواضح غير كافٍ.
■ كيف ترون دور مصر فى استقبال هذا العدد الكبير من اللاجئين من السودان؟
- أعتقد أن مصر لعبت دورًا محوريًا، لقد استقبلتم ما يقارب مليون شخص، إنه عدد كبير جدًا لاستقباله فى بلدكم فى فترة زمنية قصيرة جدًا، إنها إشارة سخية للغاية، كما تعلمون بالمقارنة بالدول الأخرى فى المنطقة، مع حقيقة أن هؤلاء الأشخاص يندمجون فى المجتمع، فيذهبون إلى المدارس، ويستخدمون المرافق الصحية، وما إلى ذلك. لذا إنه طلب كبير، لكن مصر أنجزته.
وأعتقد أن هذا فى حد ذاته أمر إيجابى للغاية. جميعنا، كما تعلمون، إذا واجه أى منا صعوبة، نأمل أن يبادر جارنا إلى تقديم المساعدة، وأعتقد أن مصر قد فعلت ذلك.
هل هناك أى مخاوف من امتداد الصراع فى السودان إلى مناطق أخرى أو دول مجاورة؟
- أعتقد أنه قد امتد الضرر بالفعل، فى مصر تحديدًا شهدنا تدفق اللاجئين عبر الحدود إليها، وإلى تشاد، وجنوب السودان، هربًا من وضع بالغ الصعوبة. هذا هو الأمر الأهم، إنهم أكثر من أربعة ملايين شخص.
فى مصر، يوجد ما يقارب مليون شخص. أعتقد أن هذا هو الأمر الأهم بلا شك، وبالطبع، لا يسعنى إلا أن أتخيل هذا القلق من احتمال امتداد هذا الوضع إلى الحدود مع تشاد، وهى حدود نستخدمها بكثرة لإدخال مساعداتنا الإنسانية.
وأعتقد أن الأمر الأهم هو اللاجئون والعدد الهائل من الأشخاص الذين غادروا البلاد بحثًا عن المساعدة.











0 تعليق