قال الدكتور عبد الرحيم ريحان، مدير المكتب الإعلامي لمجلس الآثاريين العرب، ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية، إن الكشف الذي قامت به بعثة حفائر الإنقاذ التابعة للمجلس الأعلى للآثار، العاملة بمنطقة محرم بك بحي وسط الإسكندرية، والذي أسفر عن مجموعة متميزة من العناصر الأثرية والمعمارية التي تُسهم في إلقاء الضوء على تطور الحياة الحضرية بمدينة الإسكندرية، يمثل تسلسلًا حضاريًا متكاملًا يبدأ من العصر البطلمي مرورًا بالعصر الروماني وصولًا إلى العصر البيزنطي.
حفائر الإنقاذ
وأشار عبد الرحيم، في تصريحات خاصة لـ"الدستور"، إلى أن حفائر الإنقاذ هي أعمال تنقيب أثري عاجلة وسريعة تُجريها بعثات متخصصة مثل بعثة المجلس الأعلى للآثار، لإنقاذ وتوثيق الآثار المكتشفة بالصدفة أثناء مشاريع إنشائية أو بنية تحتية (مثل الصرف الصحي أو البناء)، لمنع تدميرها، وتهدف إلى صون التراث العمراني من الاندثار. ولعبت الحفائر الإنقاذية العاجلة دورًا عظيمًا في حماية الكثير من مواقع التراث العمراني والحفاظ عليها من الاندثار الأبدي بسبب التوسع العمراني خلال العصر الحديث، ومن أمثلتها الكشف عن أطلال معبد بطليموس الرابع في سوهاج، وحصن عسكري روماني في سيناء أثناء أعمال البنية التحتية.
وأضاف ريحان أن هذا الكشف يؤكد قيمة مدينة الإسكندرية الحضارية وآثارها المتنوعة باعتبارها قيمة عالمية استثنائية تنطبق عليها معايير التسجيل تراث عالمه باليونسكو، على غرار مدينة سانت كاترين، فهي تمتلك مجموعة من المقومات تجعلها جديرة بأن تكون من أحد أفضل الوجهات السياحية في العالم، حيث تعد متحفًا مفتوحًا للآثار المصرية القديمة واليونانية والرومانية والمسيحية والإسلامية إلى جانب متاحف متنوعة، وقد اختيرت بالفعل كأحد أفضل الوجهات السياحية الرائجة على مستوى العالم لعام 2021.
ومن جانبها، أشارت الدكتورة إيمان محسن شهاوي، المتخصصة في الفسيفساء ومدير تسجيل وتوثيق متاحف الإسكندرية ورشيد، إلى القيمة الفنية والجمالية لأرضيات الفسيفساء ضمن هذا الاكتشاف الهام، والمنفذة بتقنيات متنوعة، وهو ما يعكس مستوى فني وتقني متقدم في تنفيذ هذه الأرضيات المنفذة بتقنية opus tessellatum باستخدام مكعبات حجرية (tesserae) من الحجر الجيري والرخام مع اختلاف في أحجامها وألوانها.
وتُظهر إحدى الأرضيات منفذة بتقنية opus sectile، حيث نُفذت الزخارف من شرائح حجرية أكبر حجمًا ومشكّلة وفق تصميمات هندسية دقيقة بدلًا من المكعبات الصغيرة. وتعتمد هذه التقنية على تجميع ألواح من الرخام أو الأحجار الملونة بأشكال مثلثات ومعينات ومضلعات لتكوين وحدات زخرفية متكررة، وهو ما يبدو واضحًا في التكوينات الهندسية المنتظمة، ويعكس هذا الأسلوب دقة في القطع والتركيب فضلًا عن استخدام خامات ذات جودة عالية.
وتنوه الدكتورة إيمان محسن شهاوي إلى أن الزخارف ترتبط بالتقاليد الزخرفية في العصر الروماني المتأخر والعصر البيزنطي، حيث شاع استخدامها في المباني السكنية والحمّامات، كما يشير وجود حمّام دائري ضمن هذا الكشف إلى تخطيط معماري مميز قد يعكس مستوى من الرفاهية ويرتبط بوظائف معيشية متطورة داخل المنازل السكنية.
وتعد الإسكندرية مجمعًا للأديان على غرار مصر القديمة وسانت كاترين، حيث تضم المعبد اليهودي (معبد إلياهوهنبي) بشارع النبي دانيال بمحطة الرمل، المسجل كأثر بالقرار رقم 16 لعام 1987، ويرجع تاريخ إنشائه إلى عام 1881م، وهو التاريخ المدون على اللوحة التأسيسية، وكنيسة القديس سابا من الكنائس التابعة للروم الأرثوذكس في مصر تتميز بالعمارة اليونانية، ومسجد أنجي هانم ومسجد العطارين.
الجدير بالذكر أنه من أبرز المكتشفات بمحرم بك حمامًا عامًا دائريًا من طراز (Tholoi) يرجع إلى العصر البطلمي المتأخر، إلى جانب بقايا فيلا سكنية رومانية مزودة بأرضيات من الفسيفساء متعددة الطرز، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من الرفاهية والتخطيط العمراني خلال تلك الفترات.

















0 تعليق