تشهد الساحة السياسية في الولايات المتحدة تحولات درامية متسارعة مع تزايد حدة الانتقادات الموجهة إلى الرئيس ترامب من مختلف الأطياف.
يعيش المواطنون حالة من التشاؤم المتزايد حيث يعتقد ثلثا السكان أن بلادهم تندفع نحو الاتجاه الخاطئ بشكل مقلق للغاية. تزامنت هذه المشاعر مع اندلاع مواجهات عسكرية مع إيران مما أدى لنشوء أزمة نفطية عالمية دفعت أسعار الوقود نحو قمم لم تشهدها الأسواق منذ أربع سنوات كاملة وسط قلق شعبي كبير.
وحسب استطلاع أجرته شبكة إيه بي سي الإخبارية بالتعاون مع صحيفة واشنطن بوست وشركة إيبسوس للدراسات فقد تدهورت الأرقام بشكل مخيف للإدارة. سجلت معدلات القبول العام للرئيس تراجعاً ملحوظاً لتستقر عند سبعة وثلاثين في المائة فقط وهي الأدنى طوال فترة ولايته الحالية. في المقابل ارتفعت نسبة عدم الرضا عن أدائه إلى اثنين وستين في المائة لتمثل أعلى مستوى من الغضب الشعبي المسجل خلال فترتي رئاسته المتعاقبتين واللتين شهدتا تقلبات كثيرة.
ويظهر من خلال البيانات العميقة لهذا الاستطلاع أن هناك أغلبية ساحقة من الأمريكيين ترفض بوضوح الطريقة التي تدار بها الملفات الحساسة والأساسية.
يتركز هذا الرفض بشكل خاص على قضايا تكاليف المعيشة اليومية ومعدلات التضخم التي تنهك جيوب المواطنين بالإضافة إلى التراجع في متانة الاقتصاد الوطني. كما امتد الاستياء ليشمل السياسات الخارجية المتبعة والتي أصبحت تثير الكثير من التساؤلات والشكوك لدى الناخبين في مختلف الولايات الأمريكية التي كانت تدعم الإدارة سابقاً.
عبر نحو ستة وسبعين في المائة من الأمريكيين عن استياء بالغ من كيفية تعامل الإدارة مع الارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة. ولم تكن أرقام التضخم أفضل حالاً حيث أبدى اثنان وسبعون في المائة من المشاركين في الاستطلاع عدم رضاهم عن السياسات المالية المتبعة لكبح جماحه. تعكس هذه الأرقام فجوة كبيرة بين الوعود الانتخابية التي أطلقت والواقع المرير الذي يواجهه المواطن البسيط في حياته اليومية عند شراء السلع الأساسية والضرورية.
زلزال في استطلاعات الرأي يهدد مستقبل ترامب
يمتد الغضب الشعبي ليشمل العصب الرئيسي للدولة وهو الاقتصاد حيث أشار خمسة وستون في المائة من الأمريكيين إلى سخطهم من الإدارة الاقتصادية. وتعتبر هذه النسبة هي الأعلى والأسوأ تاريخياً خلال فترتي حكم الرئيس الحالي مما يضع ضغوطاً هائلة على فريقه الاقتصادي. يبدو أن الخطط الموضوعة لم تحقق النتائج المرجوة منها بل ساهمت في تعميق الأزمة المالية التي يشعر بها المواطنون في مختلف القطاعات التجارية والصناعية والخدمية في البلاد.
وعلى الصعيد العسكري والسياسة الدولية فقد أبدى ستة وستون في المائة من المشاركين اعتراضهم الصريح على استخدام القوة العسكرية ضد إيران. واعتبرت هذه الشريحة الواسعة أن التصعيد العسكري كان قراراً خاطئاً تسبب في توترات عالمية لا داعي لها وأضر بمصالح البلاد. كما أعرب خمسة وستون في المائة عن قلقهم من تدهور العلاقات مع الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة مما أدى إلى تراجع نفوذ واشنطن في المحافل الدولية الهامة والمؤثرة عالمياً.
حتى قضية الضرائب التي كان يراهن عليها الرئيس لكسب ود الجماهير وتوسيع قاعدته الانتخابية لم تسلم من سهام النقد الشعبي اللاذع. فقد أظهرت النتائج أن ستة من كل عشرة أمريكيين يعارضون السياسة الضريبية المتبعة حالياً ويرون أنها لا تخدم الطبقة الوسطى. تسبب هذا الرفض في تبديد الآمال التي كانت معلقة على الإصلاحات الضريبية كوسيلة لتعزيز الاستقرار السياسي وضمان ولاء الناخبين في الدورات الانتخابية القادمة التي تقترب بسرعة كبيرة.
رغم هذا التراجع العام لا يزال ترامب يحتفظ بدعم قوي وصلب داخل قاعدته الحزبية التقليدية حيث يؤيده نحو خمسة وثمانين في المائة من الجمهوريين. ومع ذلك فإن التدقيق في هذه الأرقام يكشف عن تراجع في حدة هذا التأييد حيث انخفضت نسبة المؤيدين بشدة بشكل ملحوظ. فقد تراجعت نسبة الولاء المطلق من ثلاثة وخمسين في المائة في شهر سبتمبر الماضي لتصل إلى خمسة وأربعين في المائة فقط في الوقت الراهن.
الاقتصاد المتعثر والحرب الإيرانية يرهقان كاهل المواطن
يعتبر هذا الانخفاض في شدة التأييد بين الجمهوريين هو الأدنى على الإطلاق خلال الولايتين الرئاسيتين مما يشير إلى تململ حتى بين الأنصار. وفي سياق متصل هوت نسبة تأييد الرئيس بين الناخبين المستقلين إلى مستويات تاريخية غير مسبوقة في مسيرته السياسية. إذ لم تتجاوز نسبة الراضين عن أدائه خمسة وعشرين في المائة فقط بعد أن كانت ثلاثين في المائة في شهر أكتوبر مما يعكس خسارة جسيمة لكتلة تصويتية حاسمة جداً.
أظهر الاستطلاع انقساماً حاداً في الثقة بين الحزبين الكبيرين حول القدرة على إدارة الملفات الحيوية التي تهم الشارع الأمريكي بشكل يومي. فقد مالت كفة التفضيل الشعبي نحو الديمقراطيين في قضايا جوهرية مثل الرعاية الصحية وتطوير التعليم وتخفيض تكاليف المعيشة المرهقة. وفي المقابل منح المستطلعون الأفضلية للجمهوريين في ملفات الهجرة ومكافحة الجريمة بينما ساد التوازن والتعادل في قضايا الاقتصاد الكلي والتضخم والسياسات الضريبية العامة والخاصة بالشركات الكبرى.
ولم يتوقف التراجع عند السياسات بل امتد ليضرب الصورة الشخصية والسمات القيادية للرئيس في نظر المواطنين الذين منحوه أصواتهم سابقاً. يرى نحو سبعة من كل عشرة أمريكيين أن الرئيس ترامب يفتقر إلى الصدق وليس جديراً بالثقة لإدارة شؤون البلاد في هذه المرحلة. كما يعتقد ثلثا المشاركين أنه يتخذ القرارات المهمة والمصيرية دون تفكير عميق أو دراسة كافية للعواقب مما يزيد من حالة القلق العام تجاه المستقبل المجهول الذي ينتظر الجميع.
أشارت النتائج أيضاً إلى أن ستة من كل عشرة أشخاص يعتقدون أن الرئيس لا يتمتع بالقدرة الذهنية الكافية لممارسة مهامه الرئاسية. وتجاوزت نسبة الشكوك الخمسين في المائة فيما يتعلق بالصحة البدنية ومدى قدرته على الصمود أمام أعباء المنصب الثقيلة والمرهقة جداً. يرى هؤلاء أن غياب القوة القيادية والبدنية والذهنية يؤثر سلباً على فاعلية الإدارة في مواجهة الأزمات الداخلية والخارجية المتلاحقة التي تعصف بالولايات المتحدة الأمريكية في هذه الظروف الاستثنائية الصعبة.
تصدع القاعدة الحزبية وتراجع ثقة المستقلين في الإدارة
تتشكل الآن ملامح أزمة ثقة عميقة قد تؤدي إلى تغييرات جذرية في الخريطة السياسية الأمريكية خلال الأشهر القليلة القادمة بشكل غير متوقع. يراقب المحللون والسياسيون هذه الأرقام بكثير من الاهتمام نظراً لتوقيتها الحساس وتأثيرها المباشر على التوازنات داخل الكونغرس والولايات المتأرجحة. إن تآكل الشعبية بين المستقلين وتراجع حماس القاعدة الجمهورية يمثلان إنذاراً مبكراً يتطلب تحركات سريعة وجادة من البيت الأبيض لتدارك الموقف الصعب قبل فوات الأوان وضياع الفرص المتاحة حالياً للإصلاح السياسي.
يعكس هذا المشهد حالة من الانقسام المجتمعي الذي لم يعد يقتصر على التوجهات السياسية بل امتد ليشمل الرؤية المستقبلية لهوية الدولة. تبرز قضايا الهجرة والجريمة كآخر الحصون التي لا يزال الجمهوريون يتفوقون فيها بوضوح وفقاً لنتائج هذا الاستطلاع الواسع والشامل. لكن التفوق في هذه الملفات قد لا يكون كافياً لتعويض الخسائر الفادحة في ملفات الاقتصاد والمعيشة التي تمس كل بيت في أمريكا وتؤثر على الاستقرار الاجتماعي والنمو الاقتصادي المطلوب لتحقيق الرفاهية الموعودة.
إن استمرار أزمة الطاقة وارتفاع أسعار الوقود نتيجة الصراع مع إيران يضع الإدارة في مأزق حقيقي أمام الرأي العام الغاضب. فالمواطن الذي يواجه صعوبة في تأمين احتياجاته الأساسية يميل غالباً لتحميل القيادة السياسية المسؤولية الكاملة عن هذا التدهور في مستواه المعيشي. ومن هنا تبرز أهمية القرارات القادمة التي سيتخذها الرئيس وفريقه لتخفيف العبء عن كاهل المستهلكين ومحاولة إعادة الثقة المفقودة في قدرة الدولة على حماية مصالحهم الاقتصادية والسياسية في ظل الاضطرابات الدولية الكبرى.
جدل حول الأهلية الذهنية والصفات الشخصية لساكن البيت الأبيض
تظل التساؤلات حول الأهلية الذهنية والبدنية هي الأكثر حساسية في النقاش العام نظراً لما تمثله من أهمية لاستمرارية الحكم الرشيد والفعال. عندما يجمع أكثر من نصف السكان على ضعف القدرات القيادية والبدنية للرئيس فإن ذلك يعكس أزمة شرعية معنوية قد تعيق تنفيذ السياسات. هذه الانطباعات الشخصية القاسية تتغذى على الأزمات المتلاحقة وتصرفات الإدارة التي يراها البعض غير مدروسة أو متهورة في التعامل مع الملفات الشائكة والمعقدة التي تتطلب حكمة وهدوءاً كبيراً في اتخاذ القرارات المصيرية للدولة.
في نهاية المطاف يرسم هذا الاستطلاع صورة قاتمة لمستقبل الإدارة الحالية إذا لم تنجح في إحداث تغيير حقيقي وملموس في الملفات الاقتصادية. يطالب الشارع الأمريكي بحلول عملية للتضخم وغلاء المعيشة بعيداً عن الشعارات السياسية التي لم تعد تجدي نفعاً في ظل الأزمة الحالية. إن استعادة ثقة الناخبين المستقلين وجذب المترددين يتطلب نهجاً جديداً يركز على الاستقرار الداخلي وإعادة بناء الجسور مع الحلفاء الدوليين لضمان تدفق الطاقة واستقرار الأسواق العالمية التي تأثرت بشدة من قرارات الإدارة السابقة والحالية.
ستظل الأيام القادمة هي الاختبار الحقيقي لقدرة الرئيس على المناورة السياسية ومحاولة عكس مسار هذه الأرقام السلبية التي تحاصره من كل اتجاه. فالتاريخ السياسي الأمريكي مليء بالتقلبات ولكن هذه المرة يبدو التحدي أكبر نظراً لعمق الأزمات وتداخلها بين ما هو اقتصادي داخلي وعسكري خارجي. يبقى الرهان الآن على مدى استجابة الإدارة لهذه الصرخات الشعبية التي عكستها الأرقام بوضوح تام لا يقبل التأويل أو التشكيك في جدية الموقف الراهن الذي تمر به البلاد حالياً تحت قيادة الرئيس الحالي.















0 تعليق