تخوض الدولة المصرية فى الآونة الأخيرة معركة تنموية شاملة، يمثل التصنيع المحلى قلبها النابض ومحركها الأساسى.
ففى ظل التقلبات الاقتصادية العالمية والاضطرابات التى شهدتها سلاسل الإمداد الدولية، أدركت القيادة السياسية أن امتلاك القدرة يبدأ من المصنع، وأن استدامة النمو الاقتصادى لا تتحقق إلا بتحويل مصر من اقتصاد يميل إلى الاستهلاك والاستيراد إلى اقتصاد إنتاجى تنافسى.
وتمثل الصناعة قاطرة التنمية نظرًا لقدرتها العالية على خلق فرص العمل، وزيادة القيمة المضافة، وتحسين ميزان المدفوعات. وتهدف الاستراتيجية المصرية الحالية إلى رفع مساهمة القطاع الصناعى فى الناتج المحلى الإجمالى لتصل إلى مستويات غير مسبوقة.
ولذلك يتم التركيز على توطين التكنولوجيا، ونقل المعرفة الفنية وتدريب العمالة المصرية على أحدث أساليب الإنتاج، ويتم حاليًا تصنيع السلع التى تأتى من الخارج لتقليل الضغط على العملة الصعبة، وكذلك النفاذ بالمنتج المصرى إلى الأسواق العالمية، خاصة الإفريقية والأوروبية.
ولم يكن الاهتمام بالتصنيع مجرد شعارات، بل ترجم إلى قرارات تشريعية وتنفيذية ملموسة، منها الرخصة الذهبية، التى تمنح المستثمرين موافقة واحدة شاملة لإقامة المشروعات وتشغيلها، ما اختصر زمن الإجراءات البيروقراطية من شهور إلى أيام معدودة.
وطرحت الدولة عشرات المجمعات الصناعية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة فى مختلف المحافظات، مزودة بكل المرافق والخدمات، لتمكين الشباب وصغار المستثمرين.
كما قدمت الحكومة حوافز ضريبية تصل إلى ٥٠٪ من التكلفة الاستثمارية فى مناطق جغرافية محددة وقطاعات استراتيجية مثل الهيدروجين الأخضر وصناعة السيارات.
وتركز مصر جهودها على قطاعات نوعية تضمن لها ميزة تنافسية، ومن أبرزها صناعة السيارات. وأطلقت مصر الاستراتيجية الوطنية لتوطين صناعة السيارات، التى تهدف لتحويل مصر إلى مركز إقليمى لهذه الصناعة خاصة الكهربائية منها. وتمت شراكات مع كبرى الشركات العالمية، ولا تهدف فقط للتجميع، بل لزيادة نسبة المكون المحلى لتتجاوز ٦٠٪.
وقد شهدنا مؤخرًا طفرة فى تصنيع الهواتف المحمولة والأجهزة المنزلية بشعار «صنع فى مصر». هذا التوجه يسهم فى تقليل فاتورة الاستيراد بمليارات الدولارات سنويًا. وبدأت مصر تستعيد عرش «الذهب الأبيض» من خلال إنشاء أكبر مصنع للغزل فى العالم بمدينة المحلة الكبرى، وتطوير المحالج والمصانع التابعة لقطاع الأعمال العام، لتعود الملابس المصرية للمنافسة العالمية بجودة القطن المصرى طويل التيلة.
ولا يمكن الحديث عن تصنيع دون بنية تحتية قوية. وهو ما أنجزته مصر فى قطاع الطاقة من عجز فى الكهرباء إلى فائض وتصدير.
وفى قطاع الطرق والموانئ يمثل البيئة الخصبة التى يحتاجها أى مستثمر صناعى. فالربط بين المصانع والموانئ عبر شبكة طرق حديثة وقطار كهربائى سريع يقلل من تكلفة اللوجستيات، وهى ميزة تنافسية كبرى للمنتج المصرى.
ورغم الطموحات الكبيرة، يواجه قطاع الصناعة تحديات مثل نقص المواد الخام المستوردة وتذبذب أسعار الصرف، وهنا يأتى دور البحث العلمى والابتكار، فالدولة تشجع الآن على إيجاد بدائل محلية للمواد الخام، وتعزيز دور الجامعات التكنولوجية لتخريج جيل من الفنيين القادرين على التعامل مع الثورة الصناعية الرابعة.
كما تلعب وثيقة ملكية الدولة دورًا مهمًا فى تمكين القطاع الخاص، حيث تخارجت الدولة من بعض الأنشطة لترك المجال للمستثمرين، ما يعزز مبدأ المنافسة العادلة ويجذب رءوس الأموال الأجنبية.
إن زيادة الاعتماد على التصنيع المحلى تنعكس بشكل مباشر على حياة المواطن، من خلال استقرار الأسعار، وتوفير السلع محليًا، ما يحمى الأسواق من تقلبات الأسعار العالمية وتكاليف الشحن. وتعزز زيادة الصادرات الصناعية من تدفقات النقد الأجنبى، ما يدعم استقرار الجنيه المصرى.
إن اهتمام مصر بالتصنيع المحلى ليس خيارًا رفاهيًا، بل هو ضرورة حتمية لتحقيق الاستقلال الاقتصادى. فالجمهورية الجديدة تبنى بسواعد عمالها وفكر مستثمريها، ومع استمرار وتيرة العمل الحالية، فإن المنتج المصرى فى طريقه ليستعيد مكانته المرموقة، لتصبح مصر ليس فقط سلة غذاء، بل تصير مصنعًا كبيرًا يخدم المنطقة والعالم.
إن الطريق طويل لكن الإرادة المصرية أثبتت دائمًا قدرتها على تحويل التحديات إلى فرص والوعود إلى واقع.















0 تعليق