في قلب مدينة جدة الساحلية وفي يوم تاريخي من أيام أبريل لعام 2026 ترأس ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اجتماعاً مفصلياً لمجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية حيث أعلن بكل فخر اعتزاز المملكة ببدء المرحلة الثالثة والأخيرة من المسيرة الطموحة التي عرفها العالم باسم رؤية 2030 مؤكداً أنها أحدثت نقلة نوعية كبرى لم تقتصر على الأرقام فقط بل شملت تغيير وجه الحياة في بلاد الحرمين.
وحسب تقرير لوكالة الأنباء السعودية واس فقد استعرض المجلس مسيرة عشر سنوات من العمل الدؤوب التي انطلقت عام ألفين وستة عشر حيث أكد ولي العهد أن هذه الرحلة وصلت اليوم إلى ذروة التنفيذ من خلال استراتيجيات وطنية ناضجة وأدوات تحول بلغت أعلى مستويات الجاهزية لدفع عجلة الازدهار المستدام وتأمين مستقبل الأجيال القادمة في وطن طموح لا يعرف المستحيل ولا يتوقف عند حدود الأحلام التقليدية.
إعلان البداية لمرحلة الحصاد في مسيرة رؤية 2030
لقد شدد الأمير محمد بن سلمان على أن الاستثمار الحقيقي والأغلى في هذه الرؤية كان ولا يزال يتمحور حول الإنسان السعودي الذي يعد المحرك الأساسي لكل إنجاز حيث ركزت الدولة على تأهيل الشباب والفتيات وتطوير أدائهم لرفع كفاءتهم وجعلهم في موقع تنافسي متقدم يضاهي نظرائهم في أكثر دول العالم تقدماً مما يعزز من مكانة المملكة كمركز عالمي للمواهب والابتكار والريادة البشرية.
ومع دخول عام 2026 بدأت المرحلة الثالثة التي ستمتد حتى نهاية العقد الحالي وهي مرحلة تتسم بتكيف أساليب التنفيذ لتتناسب مع المتطلبات المتجددة مع الحفاظ على الأهداف الاستراتيجية بعيدة المدى حيث وجه سمو ولي العهد كافة الأجهزة الحكومية بمواصلة بذل الجهد واستشراف الفرص المستقبلية واستثمارها بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن والاقتصاد الوطني بشكل مباشر وفعال في كافة المجالات الحيوية.
إن هذه المرحلة الجديدة تهدف إلى ترسيخ المكتسبات التي تحققت في العقد الماضي ومضاعفة الجهود لتسريع وتيرة الإنجاز في المشاريع الكبرى والاستراتيجيات القطاعية حيث أشار المجلس إلى أن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو تحقيق الريادة العالمية في مختلف المجالات رغم كل التقلبات الاقتصادية والسياسية التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية بفضل التخطيط الاستراتيجي المحكم والسياسات المالية المرنة التي تم اتباعها بدقة بالغة.
بناء الأسس المتينة والتحول المؤسسي الشامل
بالعودة إلى جذور هذه الملحمة الوطنية نجد أن المرحلة الأولى التي بدأت من عام ألفين وستة عشر وحتى عام ألفين وواحد وعشرين ركزت بشكل أساسي على التأسيس والبناء وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة بطريقة تضمن الاتساق والفاعلية حيث تم إنشاء هياكل جديدة وبرامج متخصصة لتحقيق الرؤية مما سمح للجهات التنفيذية بالانطلاق في رحلة تحول متسارعة تحت رقابة صارمة ومساءلة شفافة تضمن النزاهة والوضوح.
وقد تطلبت تلك الفترة التأسيسية إرساء تدابير حازمة لمكافحة الفساد وترسيخ قيم الشفافية في كل مفاصل العمل الحكومي مع إجراء تدخلات هيكلية لمواءمة الإنفاق مع أولويات التنمية الوطنية ووضع خارطة طريق مالية واضحة للإيرادات والنفقات والاحتياطيات مما أدى إلى رفع مستوى الحوكمة وتعزيز جاهزية الجهات الحكومية للتعامل مع المتغيرات بمرونة عالية وقدرة فائقة على مواجهة التحديات الاقتصادية العالمية بكل ثقة واقتدار.
ولم يتوقف العمل عند المؤسسات الرسمية بل امتد ليشمل تمكين القطاع الخاص ومعالجة كل المعوقات الإجرائية والتنظيمية التي كانت تقف أمام نموه حيث شهدت هذه المرحلة إعادة هيكلة شاملة لصندوق الاستثمارات العامة وتطوير استراتيجياته ليكون المحرك الأبرز لتنويع الاقتصاد الوطني والنهوض بالقطاعات غير المستغلة وبناء شراكات دولية ومحلية قوية وإطلاق مشاريع عملاقة مثل نيوم والبحر الأحمر والقدية وبوابة الدرعية التي تجسد طموحات المملكة الكبرى.
مجتمع حيوي يضع المواطن في قلب التنمية
وعلى صعيد المحور الاجتماعي الذي يمثل ركيزة المجتمع الحيوي حققت المملكة إنجازات فاقت التوقعات في تحسين جودة الحياة وتشجيع الأنماط الصحية حيث ارتفعت نسبة الممارسة الرياضية بين البالغين إلى مستويات قياسية بلغت تسعة وخمسين بالمائة بفضل مبادرات أنسنة المدن وتطوير المنتزهات والمساحات الرياضية وافتتاح مشروع المسار الرياضي العالمي الذي يعد اليوم أحد المعالم البارزة في العاصمة الرياض والتي تعكس الرفاهية والتحضر.
وفي الجانب الصحي توسع نطاق الخدمات ليغطي أكثر من سبعة وتسعين بالمائة من التجمعات السكانية مما أسهم في إطالة العمر الصحي للإنسان السعودي ليصل إلى ما يقارب ثمانين عاماً وهو ما يقترب بشدة من المستهدف النهائي لعام ألفين وثلاثين حيث أثمرت جهود الوقاية والرعاية عن تحسين ملموس في الصحة العامة وتقديم نموذج رائد في الرعاية الطبية المتكاملة التي تخدم المواطن والمقيم في كل شبر من البلاد.
أما في ملف الإسكان فقد شهدت المملكة نقلة نوعية تاريخية حيث ارتفعت نسبة تملك المواطنين لمساكنهم إلى أكثر من ستة وستين بالمائة بعد أن كانت تراوح مكانها لسنوات طويلة عند مستويات متدنية وذلك بفضل تنويع حلول الدعم السكني وتسهيل إجراءات التمويل العقاري عبر المنصات الرقمية المبتكرة وزيادة المعروض العقاري الذي يتناسب مع كافة شرائح المجتمع السعودي الذي ينعم اليوم باستقرار سكني غير مسبوق.
اقتصاد مزدهر يكسر قيود الاعتماد على النفط
انتقالاً إلى المحور الاقتصادي فقد نجحت المملكة في بناء اقتصاد مرن وتنافسي استطاع الصمود أمام الهزات العالمية حيث قفز الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ليتجاوز حاجز الأربعة تريليونات ريال وصولاً إلى قرابة خمسة تريليونات ريال بنهاية عام ألفين وخمسة وعشرين مدفوعاً بنمو هائل في الأنشطة غير النفطية التي باتت تسهم بنسبة خمسة وخمسين بالمائة من إجمالي الاقتصاد الوطني محققة الهدف الأساسي للتنويع الاقتصادي.
وقد انعكس هذا النجاح على موقع المملكة في المؤشرات الدولية حيث تقدمت بأكثر من عشرين مرتبة في مؤشر التنافسية العالمي لتصل إلى المرتبة السابعة عشرة عالمياً كما احتلت المركز الثالث بين دول مجموعة العشرين من حيث توقعات النمو الاقتصادي وهو ما يؤكد نجاعة النهج الاستباقي للرؤية في استغلال الموارد الطبيعية وتطوير القطاعات التقليدية والواعدة مثل التعدين الذي نمت ثرواته المقدرة بنسبة تسعين بالمائة لتصل إلى تسعة تريليونات ريال.
وفي قطاع الطاقة حققت المملكة معجزة حقيقية برفع الطاقة الإنتاجية لتوليد الكهرباء من المصادر المتجددة من نقطة الصفر في بداية الرؤية إلى أكثر من ستين جيجا واط بنهاية العام الماضي مما يرسخ مكانتها كقائد عالمي في التحول الطاقي وحماية البيئة مع الاستمرار في تطوير البنية التحتية الصناعية واللوجستية التي شهدت نمو عدد المصانع إلى أكثر من اثني عشر ألف مصنع باستثمارات تتجاوز التريليون ريال سعودي.
صندوق الاستثمارات العامة محرك النهضة الاقتصادية الكبرى
لعب صندوق الاستثمارات العامة دور البطولة في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس من خلال تطوير عشرة قطاعات واعدة حيث قفزت أصوله تحت الإدارة من سبعمائة مليار ريال لتتجاوز الثلاثة تريليونات ونصف ريال بنهاية عام ألفين وخمسة وعشرين مما جعله واحداً من أقوى الصناديق السيادية في العالم وأكثرها تأثيراً في رسم خارطة الاستثمار الدولية والمحلية عبر مشاريعه النوعية التي بدأت تفتح أبوابها للزوار من كل مكان.
وقد شهدت السنوات القليلة الماضية افتتاح الوجهات السياحية الكبرى حيث بدأت منتجعات البحر الأحمر في استقبال ضيوفها على واحد من أجمل الحيود المرجانية في العالم كما تم افتتاح المراحل الأولى من مشروع القدية الذي يضم أكبر مدن الترفيه والمغامرة إضافة إلى التقدم الكبير في مشروع نيوم الذي بدأ في تفعيل مسارات الربط اللوجستي العالمية وتقليص زمن وصول الشحنات البحرية مما يعزز من مكانة المملكة كبوابة تجارية عالمية.
إن الاستثمارات المحلية للصندوق بلغت مستويات غير مسبوقة حيث أنفق أكثر من سبعمائة وخمسين مليار ريال خلال السنوات الخمس الماضية لتطوير البنية التحتية وخلق فرص عمل جديدة للشباب السعودي وتحفيز القطاع الخاص ليكون شريكاً استراتيجياً في بناء المستقبل مما ساهم في خفض معدلات البطالة بين المواطنين إلى أدنى مستوياتها التاريخية لتصل إلى نحو سبعة بالمائة فقط وهو ما يمثل نجاحاً اجتماعياً واقتصادياً باهراً.
الريادة السياحية والثقافية في خارطة العالم الجديدة
لقد تحولت المملكة بفضل هذه الرؤية إلى وجهة سياحية عالمية تجذب الملايين من كل بقاع الأرض حيث تجاوز عدد السياح مائة وعشرين مليون زائر بنهاية عام ألفين وخمسة وعشرين محققة مستهدفات عام ألفين وثلاثين قبل أوانها بخمس سنوات مما دفع الدولة لرفع سقف طموحاتها للوصول إلى مائة وخمسين مليون سائح بحلول نهاية العقد الحالي مع وصول إجمالي الإنفاق السياحي إلى مستويات تتجاوز الثلاثمائة مليار ريال سنوياً.
وقد أسهم هذا الثراء الثقافي والعمق الحضاري في إدراج ثمانية مواقع سعودية ضمن قائمة اليونسكو للتراث العالمي إضافة إلى تأسيس أكثر من ثلاث عشرة جهة حكومية معنية بالشأن الثقافي والمهن الإبداعية مما جعل من الثقافة السعودية جسراً للتواصل مع العالم ومحركاً جديداً للنمو الاقتصادي المستدام الذي يعتمد على الابتكار والموروث الشعبي العريق الذي تتميز به كافة مناطق المملكة الإدارية من شمالها إلى جنوبها.
وفي هذا السياق برزت مدينة العلا كأيقونة سياحية عالمية معتمدة في الشرق الأوسط وحصدت جوائز دولية مرموقة كأفضل مشروع للسياحة الثقافية لسنوات متتالية كما شهدت منطقة الدرعية التاريخية تطوراً مذهلاً جذب ملايين الزوار للتعرف على مهد الدولة السعودية الأولى في حي الطريف التاريخي الذي يجمع بين أصالة الماضي وتطلعات المستقبل في تناغم فريد يجسد روح الهوية الوطنية السعودية التي يعتز بها الجميع.
وطن طموح يحلق في فضاءات التميز الرقمي
أما على مستوى محور الوطن الطموح فقد حققت المملكة قفزات هائلة في التحول الرقمي والأمن السيبراني حيث انتقلت من مراتب متأخرة لتصبح اليوم في المركز الأول عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني والمركز السادس عالمياً في مؤشر الأمم المتحدة لتطوير الحكومة الإلكترونية مما يعكس قوة البنية التحتية الرقمية التي تملكها المملكة والتي مكنتها من التفوق في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة بكفاءة واقتدار عاليين.
ولم يتوقف الطموح عند التكنولوجيا بل امتد ليكون وطناً يستضيف أكبر الفعاليات العالمية حيث تستعد المملكة لاستضافة إكسبو ألفين وثلاثين وكأس آسيا ألفين وسبعة وعشرين وصولاً إلى الحلم الأكبر باستضافة كأس العالم لكرة القدم عام ألفين وأربعة وثلاثين مما يضع المملكة تحت أنظار العالم كمركز رياضي وثقافي واقتصادي لا يضاهى في المنطقة بفضل الرؤية الثاقبة للقيادة الرشيدة والعمل الجماعي المؤسسي المتميز.
وفي الجانب الإنساني والتطوعي تضاعف عدد المتطوعين في المملكة ليتجاوز المليون وسبعمائة ألف متطوع مما يعكس روح العطاء والانتماء لدى الشعب السعودي كما ارتفعت مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي الإجمالي بشكل كبير بفضل تحسين آليات العمل وتمكين المؤسسات الأهلية لتكون شريكاً فاعلاً في مسيرة التنمية الشاملة والمستدامة التي تغطي كافة جوانب الحياة في المملكة العربية السعودية بكل كفاءة وتميز.
ما بعد عام 2030 استدامة الأثر والريادة الأبدية
ختاماً أكد مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية أن الوصول إلى عام ألفين وثلاثين لا يمثل النهاية بل هو مجرد محطة رئيسية في رحلة مستمرة من البناء والريادة التي ستستمر لعقود قادمة حيث تشكل الرؤية بنياناً صلباً للجهود التنموية اللاحقة التي ستشهدها المملكة لضمان استدامة الأثر وحماية المكتسبات الوطنية التي تحققت بفضل الله ثم بفضل القيادة الرشيدة التي وضعت مصلحة الوطن فوق كل اعتبار وتحدت كل الظروف لتحقيق المستحيل.
إن التكامل المؤسسي والحوكمة الفعالة التي رسختها رؤية 2030 أدت إلى اكتمال برامج هامة مثل الاستدامة المالية والتخصيص بعد تحقيق أهدافهما بنجاح باهر مع استمرار البرامج الأخرى في أداء مهامها حتى استيفاء مستهدفاتها أو إعادة توجيهها لخدمة الأولويات الجديدة للمرحلة الثالثة والأخيرة مما يضمن بقاء المملكة في طليعة الدول المتقدمة والمؤثرة في القرار العالمي سياسياً واقتصادياً وإنسانياً بكل ثقة واعتزاز.
لقد برهنت المملكة للعالم أجمع أن الطموح عندما يقترن بالعمل الجاد والتخطيط السليم يمكنه أن يصنع المعجزات ويغير مسار التاريخ وهذا ما نلمسه اليوم في كل زاوية من زوايا الوطن الذي يزدهر يوماً بعد يوم تحت راية التوحيد وبقيادة ملك حازم وولي عهد طموح وشعب وفي لا يرضى بغير القمة مكاناً ولا بغير التميز عنواناً في مسيرة خالدة نحو المستقبل المشرق الذي تستحقه هذه البلاد العظيمة.















0 تعليق