تشهد مصر طفرة عمرانية غير مسبوقة بإنشاء عشرات المدن الجديدة الذكية، ورغم الإيجابيات الاقتصادية الضخمة لهذا التوسع، استغلت بعض التشكيلات العصابية شغف المواطنين بالاستثمار العقاري لتأسيس "شركات تطوير عقاري وهمية"، هدفها الأساسي بيع الوهم للمواطنين على الورق (الماكيت)، أو بيع الوحدة السكنية الواحدة لأكثر من مشترٍ لجمع ملايين الجنيهات والهروب بها.
لم يقف المُشرع المصري مكتوف الأيدي أمام "مافيا العقارات"، بل حاصر هذه الجرائم بترسانة من القوانين التي تتنوع بين قانون العقوبات، وقانون حماية المستهلك، لتصل العقوبات إلى الحبس المشدد والغرامات المليونية.
وتُعد الصورة الأشهر للاحتيال العقاري، أن يقوم المحتال بإنشاء حملات إعلانية ضخمة لمشروع لا وجود له على أرض الواقع، أو لا يمتلك أرضه من الأساس، مستخدمًا طرقًا احتيالية لإيهام الضحايا بوجود مشروع استثماري ضخم، كما تنص المادة (336) من قانون العقوبات المصري على معاقبة كل من توصل إلى الاستيلاء على نقود أو عروض بإيهام الناس بوجود مشروع كاذب أو إحداث أمل بوجُود ربح وهمي، بـ الحبس الذي قد تصل مدته إلى 3 سنوات.
حتى وإن تم اكتشاف الجريمة قبل استلام الأموال (الشروع في النصب)، يُعاقب الجاني بالحبس مدة تصل إلى سنة، ويجوز وضعه تحت المراقبة الشرطية.
كارثة بيع الوحدة لأكثر من شخص
من أبشع الجرائم التي تدمر مدخرات الأسر هي قيام "المالك الأصلي" أو المقاول ببيع نفس الشقة السكنية لعدة مشترين في أوقات متفرقة، مستغلًا عدم تسجيلهم للعقود، ويُكيف القانون هذه الواقعة باعتبارها "نصبًا واحتيالًا" متكامل الأركان.
وإذا ثبت سوء النية والتخطيط المسبق للاستيلاء على أموال المشترين المتعددين، توقع المحكمة أقصى عقوبة للحبس، مع إلزام الجاني بالرد الفوري للمبالغ المستولى عليها والتعويض المدني الشامل للمتضررين.
وفي حالة اقتران هذه الجريمة بتزوير في تواريخ العقود، تتحول القضية إلى جناية تزوير.
التزوير العقاري.. الطريق إلى السجن المشدد
في بعض الحالات، لا يكتفي المحتال بإنشاء شركة وهمية، بل يعمد إلى تزوير تراخيص البناء، أو عقود الملكية (التسلسل المضروب)، أو أختام الشهر العقاري لإضفاء شرعية كاذبة على أوراقه، وهنا يخرج الجاني من دائرة "جنحة النصب" ليدخل في دائرة "جناية التزوير في محررات رسمية واستعمالها".
كما يُعاقب بموجب قانون العقوبات بـ السجن المشدد (الذي يتراوح بين 3 إلى 10 سنوات وأحيانًا يصل إلى 15 عامًا)، لأن الجريمة هنا مست هيبة وثقة مستندات الدولة الرسمية.
ولسد الثغرات الاستباقية قبل وقوع ضحايا، تدخل قانون حماية المستهلك (رقم 181 لسنة 2018 وتعديلاته) بضوابط صارمة تُكبل أيدي الشركات الوهمية:
كما حظرت المادة (15) من القانون الإعلان عن حجز وحدات عقارية، أو بيعها، أو تقاضي أي مبالغ مالية تحت مسمى "جدية الحجز" إلا بعد الحصول على التراخيص الرسمية لبناء المشروع من الجهات المختصة (كوزارة الإسكان أو هيئة المجتمعات العمرانية)، ويُعاقب كل مطور عقاري خالف هذا الحظر الإعلاني أو الترويجي بغرامة قاسية تتراوح بين 50 ألف جنيه وتصل إلى مليوني جنيه، أو مِثلي قيمة المنتج (أيهما أكبر)، لضمان عدم جمع أموال المواطنين قبل إثبات الجدية القانونية والهندسية للمشروع.
نصيحة قانونية للمشترين
لتفادي الوقوع في فخ الاحتيال العقاري، يحذر الخبراء من الشراء لمجرد رؤية إعلانات جذابة على السوشيال ميديا.
يجب قبل توقيع أي عقد التوجه إلى الحيز العمراني أو جهاز المدينة التابع لها العقار، لطلب "شهادة تصرفات عقارية" والتأكد من صدور قرار التخصيص أو ترخيص البناء باسم الشركة المعلنة، وخلو الأرض من النزاعات القانونية أو رهونات البنوك.













0 تعليق