فى تصريحات وصفت بأنها الأكثر سوداوية منذ عقود، أطلق المدير التنفيذى للوكالة الدولية للطاقة، فاتح بيرول، تحذيرًا شديد اللهجة هزّ الأسواق العالمية، مؤكدًا أن الصراع العسكرى الدائر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قد أدخل العالم فى أكبر أزمة طاقة فى التاريخ الحديث. ولم يكتفِ بيرول بوصف الأزمة بالخطورة، بل اعتبرها تتجاوز فى شدتها الصدمات النفطية التى شهدها العالم فى سبعينيات القرن الماضى، بل وتفوق فى تداعياتها الآثار التى خلّفها الغزو الروسى لأوكرانيا عام ٢٠٢٢.
تأتى تصريحات بيرول فى وقت يشهد فيه العالم تذبذبًا حادًا فى إمدادات الطاقة، حيث أشار إلى أن انخفاض الإنتاج اليومى العالمى للنفط الذى وصل إلى مستويات غير مسبوقة، فاقدًا نحو ١٣ مليون برميل يوميًا، هذا الرقم يتجاوز ضعف الكميات التى فقدتها الأسواق خلال أزمتى عامى ١٩٧٣ و١٩٧٩ مجتمعتين.
يرى رئيس الوكالة الدولية للطاقة أننا لا نواجه أزمة نفط فحسب، بل نحن بصدد أزمتى نفط وغاز فى آنٍ واحد، فالاستهداف المباشر لمنشآت الطاقة فى الخليج، والتهديدات المستمرة لإغلاق مضيق هرمز الشريان الذى يمر عبره نحو ٢٠٪ من إمدادات النفط العالمية قد وضع أمن الطاقة العالمى على حافة الهاوية.
ومن أكثر النقاط التى شدد عليها بيرول فى خطابه الأخير هى حجم الدمار الذى لحق بالبنية التحتية للطاقة. فوفقًا لتقارير الوكالة تعرض ما لا يقل عن ٤٠ منشأة طاقة حيوية فى منطقة الخليج لدمار شديد أو جزئى نتيجة العمليات العسكرية. وحتى لو وضعت الحرب أوزارها غدًا، فإن العودة إلى مستويات الإنتاج والأسعار التى كانت سائدة قبل الأزمة قد تستغرق ما يصل إلى عامين.
حديث هذا المسئول يشير إلى أن الأزمة ليست عابرة، بل هى اضطراب هيكلى فى سلاسل الإمداد العالمية وستمتد آثاره لتشمل قطاعات أبعد من مجرد الوقود، مثل البتروكيماويات والأسمدة والغازات النادرة، ما يهدد الأمن الغذائى والمنظومات الصناعية الكبرى. وأمام هذا الإعصار الكارثى، لم تقف الوكالة الدولية للطاقة مكتوفة الأيدى، فقد أشرف بيرول فى مارس ٢٠٢٦ على أضخم عملية إطلاق للمخزونات الاستراتيجية فى تاريخ الوكالة، حيث تم ضخ ٤٠٠ مليون برميل من النفط لمحاولة كبح جماح الأسعار التى بدأت تنفجر لتعكس الواقع الميدانى المرير.
علاوة على ذلك أعلن بيرول عن تشكيل تحالف أزمة بالتعاون مع صندوق النقد الدولى والبنك الدولى، بهدف توجيه السياسات الاقتصادية للدول المتضررة، ومحاولة منع الاقتصادات الناشئة من السقوط فى دوامات الموت الاقتصادى الناتجة عن ارتفاع تكاليف الاستيراد وانهيار العملات المحلية.
ولا يوجد بلد محصن من هذه الأزمة، طبقًا لما أكده بيرول بوضوح. ومع ذلك يظل التأثير متفاوتًا.
والدول المستوردة فى آسيا تواجه ضغوطًا هائلة على موازناتها العامة وتضخمًا غير مسبوق.
والدول المنتجة بالشرق الأوسط رغم ارتفاع الأسعار، إلا أن الدمار المادى للمنشآت والتعطيل اللوجستى يحرمها من الاستفادة من هذه القفزات السعرية. أما الخوف الحقيقى فيكمن فى الركود التضخمى الذى قد يعيد صياغة القوى الاقتصادية العالمية.
وفى ختام تصريحاته، وضع بيرول إصبعه على الجرح الحقيقى، معتبرًا أن الحل الوحيد لتخفيف وطأة هذه الكارثة هو التدفق الحر للنفط والغاز عبر مضيق هرمز. فبقاء هذا الممر المائى تحت رحمة الصراع العسكرى يعنى أن العالم سيظل رهينة لأزمة طاقة لم يشهد لها مثيلًا منذ اكتشاف الوقود الأحفورى.
إن رسالة الوكالة الدولية للطاقة واضحة، وهى أن العالم يعيش لحظة أمن طاقة مصيرية، والحلول التقنية والاحتياطيات الاستراتيجية قد تشترى بعض الوقت، لكنها لن تطفئ نيران حرب تحرق عصب الحياة فى الاقتصاد العالمى.














0 تعليق