أ.د.إلهام سيف الدولة حمدان
تساءلنا كثيرًا حول:ماذا يشاهد الشباب؟ لكن يقدر بنا الآن أن ننتقل للسؤال الأهم: من الذي يختار لهم ما يشاهدون؟
فلم يعد التحدي في وفرة المحتوى، بل في خفاء من يوجّه هذا المحتوى، ويعيد تشكيل الوعي من وراء ستار. هنا تحديدًا، ندخل إلى قلب قضية شديدة الحساسية: العلاقة بين الأمن الثقافي والهوية الرقمية.
فإذا كان الأمن الثقافي، كما أشارت وزيرة ثقافة مصر د. جيهان زكي مؤخرا، يهدف إلى الوصول إلى عقل ووجدان المواطن، فإن هذا “العقل” لم يعد في مكانه القديم. لم يعد في قاعة درس، ولا في كتاب، ولا حتى في شاشة تقليدية، بل انتقل إلى فضاء رقمي مفتوح، سريع، متغير، تُدار مفاتيحه عبر خوارزميات لا نراها، لكنها تعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.
وهنا تكمن حالة مغايرة تنطوي على مفارقة واضحة: نحن نظن أننا نختار، في حين تتبدى الحقيقة في أن كثيرًا مما نراه قد تم اختياره لنا سلفًا.
الهوية الرقمية لم تعد مجرد امتداد للهوية الواقعية، بل أصبحت في كثير من الأحيان بديلًا عنها. الشاب اليوم لا يكتفي بأن يعيش حياته، بل يعيد إنتاجها رقميًا، يختار ما يظهر منها، وما يُخفى، ويقيس قيمته بعدد المشاهدات، لا بعمق التجربة. ومع الوقت، لا يعود الفرق واضحًا بين “من هو” و”كيف يظهر”.
إذن، لا يصبح الأمن الثقافي مجرد حماية للتراث أو دعم للفنون، بل يتحول إلى معركة على “تشكيل الإدراك”. من يحدد ما هو مهم؟ من يقرر ما يستحق المشاهدة؟ من يصنع “الترند” الذي يتحول فجأة إلى معيار للنجاح؟
الإجابة، في كثير من الأحيان، ليست في يد المؤسسات الثقافية، بل في يد منصات رقمية عابرة للحدود مثل TikTok وInstagram وYouTube، حيث تعمل خوارزميات معقدة على توجيه الانتباه، وتحديد ما يُرى وما يُهمَّش، وفق منطق لا علاقة له بالقيمة، بل بالانتشار.
وهنا تظهر خطورة ما يمكن تسميته بـ”الاستعمار الرقمي الناعم”. فبدلًا من فرض ثقافة بالقوة، يتم تقديمها في صورة محتوى جذاب، سريع، قابل للتكرار، حتى تصبح مألوفة، ثم مقبولة، ثم مهيمنة. لا أحد يفرض عليك أن تتغير، لكنك، دون أن تشعر، تتغير.
ولنكن أكثر وضوحًا: ليست المشكلة في هذه المنصات ذاتها، بل في غيابنا عنها كقوة فاعلة. نحن نستهلك أكثر مما ننتج، نتفاعل أكثر مما نؤثر، ونشاهد أكثر مما نفكر. وهنا، يتحول المستخدم من “فاعل” إلى “مفعول به”، ومن صانع للوعي إلى متلقٍ له.
إن أخطر ما تفعله الخوارزميات ليس فقط أنها تقدم لك ما تحب، بل أنها تحبسك داخله. تكرر لك النمط نفسه، تعيد إنتاج ذوقك، وتمنعك، دون أن تدري، من اكتشاف ما هو مختلف. وهكذا، لا يتسع وعيك، بل يدور في دائرة مغلقة، تعيد تأكيد ما تعرفه، لا ما تحتاج إلى معرفته.
في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن الهوية أكثر تعقيدًا. فالهوية لم تعد تُبنى فقط عبر الأسرة أو المدرسة أو المجتمع، بل عبر “التدفق الرقمي” المستمر. كلمات، صور، مقاطع، أفكار… تتسلل بلا استئذان، وتعيد تشكيل المعايير: ما هو جميل، ما هو ناجح، ما هو مقبول.
هيا بنا لنطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل ما زال لدينا مشروع واضح لحماية الهوية في هذا الفضاء المفتوح؟
الحقيقة المؤلمة أن الاستجابة لا تزال أقل من حجم التحدي. فالمؤسسات الثقافية، في كثير من الأحيان، تتحرك ببطء، بينما يتحرك العالم الرقمي بسرعة الضوء. الخطاب الرسمي يتحدث بلغة، والشباب يعيش بلغة أخرى. وبين اللغتين، تتسع الفجوة.
لكن، هل الحل في الانسحاب؟ في رفض هذا العالم؟ في التحذير منه فقط؟
بالتأكيد لا.
الحل ليس في مقاومة التكنولوجيا، بل في امتلاكها. ليس في رفض المنصات، بل في استخدامها بذكاء. ليس في الانغلاق، بل في الحضور القوي والمؤثر.
الأمن الثقافي في عصر الهوية الرقمية يتطلب إعادة تعريف أدواته. لم يعد كافيًا أن نفتح مسرحًا أو ننظم ندوة، بل يجب أن ننافس على “شاشة الهاتف”، حيث يقضي الشباب معظم وقتهم. يجب أن ننتج محتوى قادرًا على أن يجذب، لا فقط أن يُقنع. أن يصل، لا فقط أن يُقال.
وفي هذا الإطار، يمكن طرح مجموعة من المسارات العملية:
أولًا، بناء منصات رقمية ثقافية مصرية قوية، لا تكون مجرد أرشيف، بل مساحة حية للإبداع، والتفاعل، والتأثير.
ثانيًا، دعم صناع المحتوى الجادين، وتوفير تدريب واحتضان لهم، ليصبحوا بديلًا حقيقيًا للمحتوى السطحي.
ثالثًا، إدماج “التربية الرقمية” في التعليم، بحيث يتعلم الطالب كيف يفهم الخوارزميات، لا فقط كيف يستخدم التطبيقات.
رابعًا، إنتاج محتوى قصير وذكي، ينافس على نفس أدوات الجذب التي يستخدمها الآخرون، دون أن يتخلى عن العمق.
خامسًا، خلق شراكات بين المؤسسات الثقافية والمنصات الرقمية، بدلًا من العمل في مسارات منفصلة.
أما الخاتمة، فهي لا تحتمل التجميل:
نحن أمام معركة حقيقية على عقل الشباب، لكنها لا تُرى. لا أصوات فيها، ولا دخان، لكنها تترك أثرًا عميقًا في تشكيل الأجيال.
فإذا كنا نتحدث عن الأمن الثقافي، فعلينا أن نسأل بجرأة:
هل نحن حاضرون في العالم الذي يعيش فيه أبناؤنا؟
أم أننا ما زلنا نحاول حمايتهم… من خارج أسواره؟
لأن الحقيقة البسيطة، التي لا يمكن تجاهلها، هي أن من يملك الخوارزمية… يملك جزءًا كبيرًا من الوعي.

















0 تعليق