إلى السادة رئيس وأعضاء الحكومة.. الرجاء قراءة المصريين جيدًا فى هذا الملف الشائك

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

مؤسسة «حياة كريمة» أصبحت من الإنجازات المصرية التى لا يمكن أن ينكرها أحدٌ ومن دواعى اعتزاز وفخر المصريين فى السنوات الأخيرة. ورد اسم المؤسسة فى خبر- يتعلق بملف اللاجئين والمقيمين على أرض مصر- أصابت بعض عباراته المنشورة رسميًا بعض المصريين بالدهشة والغضب.

وزارة الخارجية المصرية أحد الأعمدة الأساسية للدولة المصرية وبمثابة درة تاج الدبلوماسية المصرية الأعرق فى المنطقة والعالم. ورد ذكر هذه المؤسسة فى خبرٍ آخر- يتعلق بنفس الملف- أصابت بعض عباراته المنشورة رسميًا بعض المصريين بالصدمة. فماذا يحدث فى هذا الملف الشائك؟

«١»
مؤسسة «حياة كريمة» أحد المنجزات الكبرى للدولة المصرية فى السنوات الأخيرة. امتدت أيديها عبر قرى ونجوع ومدن مصر وغدت من المفردات المجتمعية المصرية. حسب المنشور عن موارد المؤسسة، فهى مؤسسة يتم تمويلها بشكل رئيسى من موارد الدولة المصرية، إضافة إلى إسهامات وتبرعات بعض منظمات المجتمع المدنى- التى يمولها المصريون- وتبرعات المواطنين بشكل مباشر. أى أن موارد المؤسسة المالية هى من تمام مقدرات المصريين. لأن تمويل الدولة المصرية يعنى أنه من ميزانيتها المملوكة للمصريين. وكل موارد ومكتسبات مصر ساهم فيها ما قدمه المصريون عبر خمسة عشر عامًا من تحملٍ للمصاعب والأزمات، وعبر إفشال المؤامرات المتتالية ضد مصر، وعبر تضحيات أثمن من تلك التضحيات المالية وهى تضحيات المصريين بالدم المصرى من أجل الإبقاء على مصر وحمايتها مما سقطت فى براثنه غالبية دول المنطقة. معنى هذا أن موارد مؤسسة «حياة كريمة» هى موارد خالصة الملكية للمصريين.

جاءت تفاصيل الخبر- المنشور على الصفحة الرسمية لكل من مؤسسة حياة كريمة ومفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين- كالآتى..

«فى اجتماع تعارفى يهدف إلى تعزيز إدماج اللاجئين التقت دكتورة.. ممثلة المفوضية فى مصر والدكتورة.. نائبة رئيس مؤسسة «حياة كريمة». تناول اللقاء بحث مجالات التعاون الممكنة لتعزيز إدماج اللاجئين فى مبادرات التمكين الاقتصادى، وغيرها من البرامج بما يضمن إتاحة فرص أكثر شمولًا واستدامة للجميع».

وبالعودة إلى الصفحة الرسمية لمؤسسة «حياة كريمة» لمعرفة ما هو المقصود بالتمكين الاقتصادى، وجدتُ هذه المعلومة «محور التمكين الاقتصادى تم إنشاؤه عام ٢٠٢٤ بهدف دعم الفئات الأولى بالرعاية وخاصة الشباب والسيدات المعيلات وذوى الدخل المحدود من خلال تهيئة فرص تحسين المعيشة..».

«٢»
معنى هذا بشكل واضح لا لبس فيه أن مؤسسة «حياة كريمة»- التى تستمد مواردها من ميزانية مصر وتبرعات مواطنيها بهدف مساندة الفئات المصرية الأولى بالرعاية- قد عقدت لقاءً تعارفيًا مع مقررة مفوضية الأمم المتحدة لشئون اللاجئين للتعاون فى تحقيق هذه الأهداف، لكن لغير المصريين. وأنا كمواطن مصرى أتساءل عمن خول القائمين على مؤسسة «حياة كريمة» هذا الحق فى التصرف فى مقدرات المصريين على غير الوجه الذى خُصصت له هذه المقدرات؟

هل واجه المصريون كل هذا الشقاء وكل هذه التحديات على مدار أكثر من خمسة عشر عامًا لكى يتم منح جزءٍ من ثمرة كفاحهم كثمرة يانعة لغير المصريين؟

وهل غطت مؤسسة «حياة كريمة» احتياجات كل الفئات المصرية الأولى بالعناية- كما حددتها على صفحتها الرسمية- من شباب وسيدات معيلة حتى يقرر القائمون عليها أن يتجهوا هذا الاتجاه؟

هل لم يعد لدى المؤسسة قوائم مصرية من تلك الفئات ولديها فائض أموال وفرص عمل وتدريب مجانية حتى تقوم بمنحها لغير المصريين؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا تستعد ببرامج لمساعدة الفئات المصرية المتوقع تضررها بشكل يقينى من الأزمة الراهنة؟

«٣»
أما الخبر الخاص بوزارة الخارجية المصرية فهو يخص لقاء دكتور بدر عبدالعاطى برئيس اللجنة الوطنية للاجئين بتاريخ الأحد ١٣ إبريل. وأترك لمن يريد مطالعة تفاصيله كل الحرية لقراءة ما جاء فى اللقاء. أكد الوزير ضرورة مساندة الدول المستضيفة للاجئين لدعم صمودها. أتفق معه فيما قال، لكن تفاصيل ومستجدات ما يحدث الآن يلقى بظلال كثيفة حول مدى استجابة المجتمع الدولى لهذا المطلب. فالآن كل دولة مشغولة بخططها لمواجهة الأزمة. والدول التى تشيد بدور مصر فى ضبط الهجرة غير الشرعية وتشيد بدورها فى استضافة هذه الملايين، هى نفسها الدول التى اتخذت مواقف صارمة ضد ظاهرة اللاجئين، وبدأت فى إرغام هؤلاء على العودة لبلادهم.

يولى السيد الرئيس عناية فائقة للرأى العام المصرى. ومن هذا المنطلق فأنا أناشد القائمين على تلك المؤسسة الوطنية العريقة أن يقوموا بدراسة تفاعل المصريين على هذا الخبر على الصفحة الرسمية للوزارة. وأنا أقدم لهم نتيجة سريعة بعد نشر الخبر بساعات. فمن بين أكثر من ألف ومائتى مواطن تفاعلوا مع الخبر، كان هناك تفاعل غاضب أو حزين من أكثر من ٨٨٠ مواطنًا، بينما كانت هناك تفاعلات ساخرة من حوالى عشرين مواطن. هذا هو رأى المصريين فيما تم نشره رسميًا. أليست هذه قراءة صائبة للمصريين فى هذا الملف الشائك؟! لقد فهم هؤلاء الغاضبون من سياق العبارات- وأتمنى أن يكون فهمهم خاطئًا- أن الدولة المصرية لا تمانع فى الاستمرار فى هذه الاستضافة لتلك الملايين شريطة أن تكون هناك مساعدات طويلة الأمد.

شخصيًا لا أعتقد أن هذه هى رؤية مصر، لكن من صاغ عبارات الخبر لم يحالفه التوفيق فى انتقاء بعض العبارات. كان اللقاء حسبما فهمت بشكل شخصى يريد أن يلقى الضوء على معاناة مصر فى هذا الملف وكتعزيز لرؤية مصر فى مؤتمر نيويورك بعد أشهر لمراجعة حركة الهجرة. لكن بعض العبارات الواردة أوحت لكثير من المصريين أن مصر سوف تستمر فيما قامت به فى السنوات الماضية. أتمنى مراجعة صيغ الخبر والنفاعل مع تعليقات المصريين بتوضيح الحقائق وتهدئة الغاضبين.
«٤»
لكن ما ورد رسميًا عن مؤسسة حياة كريمة كان واضحًا ويحتاج إلى تصويب قبل أن نفاجأ بأن اللقاء التعارفى قد تمخض عن اتفاقيات يصعب التراجع عنها بما لن يرضى به المصريون بصفتهم أصحاب الحق الأصيل والحصرى فى الاستفادة من موارد وبرامج المؤسسة.  

ما ورد فى خبر مؤسسة «حياة كريمة» من مصطلحات هو تكرار لما تتبناه بعض المؤسسات الأخرى مصرية وغير مصرية، وهو ما يردده بعض النشطاء لتحقيق أهدافٍ ننأى بمؤسسة وطنية مثل حياة كريمة أن تنزلق إليه أو أن يكون القائمون غير مدركين لما يترتب عليها من نتائج. لأن الاستمرار فى ترديد هذه المصطلحات- خاصة بشكل مؤسسى- يطوق عنق مصر باستحقاقات غير عادلة لا يقبلها كثير من المصريين.

التسامح والكرم فى غير موضعهما يتحول إلى استمراء غير مستحق. لقد جفت حلوق البعض على مر عدة سنوات وهم يطالبون القائمين على إدارة هذا الملف تحديدا بقراءة التاريخ المصرى وتاريخ المنطقة جيدًا. طالبناهم ونطالبهم- بحق وشرعية الانتماء لهذا الوطن- أن يقرأوا هذا التاريخ المصرى العريق حتى يدركوا حجم الخطر. ليس فى الأمر عبقرية فالتاريخ قد تكرر كثيرًا ومن لا يستفيد به فهو غير جدير بموقعه.

«٥»
فى مشهدٍ من مشاهد مسلسل السقوط فى بئر سبع يصرخ بن جوريون فى وجه موشى ديان وهو يحثه على قراءة تاريخ المصريين.. ثم ينفعل بقوة قائلًا..

بلاش تقرأوا التاريخ... اقرأوا الجرايد..

وأنا أقول لمن يديرون هذا الملف الشائك كما قال «بن جوريون» فى هذا المشهد..

بلاش تقرأوا التاريخ.. اقرأوا الجرايد.. وهنا فما يبثه المصريون على صفحاتهم الشخصية هى مادة أو صحف حقيقية حية لقراءة عقل ومشاعر المصريين ورأيهم العام.. اقرأوا المصريين قراءة جيدة..

دعكم من التاريخ، ودعكم من منطق حق المصريين الحصرى والأصيل فى التمتع بمقدراتهم، وذلك بشرعية تحملهم ومعاناتهم وتضحياتهم من أجل الحفاظ على بلادهم، ودستورهم الذى لا يمنح لغيرهم مقدراتهم..

دعكم من هذا كله وشاهدوا ما بثته طبيبة مصرية شابة قبطية مسيحية.. هذا الفيديو هو كبسولة التاريخ الذى تستثقلون قراءته..

تعمل الطبيبة فى عيادة أسنان مدعمة تمنح «الضيوف: خدمات شبه مجانية.. دخلت العيادة سيدة من دولة جنوبية بصحبة ابنها الشاب.. اشتكت السيدة من المياه المصرية والطعام المصرى متهمة ما قدمته لها مصرُ من مياه وطعام بأنه السبب فى تلف أسنانها. ليس هذا هو المهم. المهم أن الشاب أكمل حديث والدته مفسرًا صراحتها للطبيبة قائلًا: تبسطت أمى معك وكشفت ما نعرفه لأنك قبطية ونحن نعرف أنكم لا تحبون مصر لأنكم مضطهدون! كادت الطبيبة أن تنهار كمدًا».

ضعوا هذا المشهد بجوار آلاف المشاهد الأخرى التى مرت بنا عبر السنوات الماضية.. ضيوف عبثوا باقتصادنا.. ضيوف تاجروا فى العملة الصعبة فى ذروة محن مصر الاقتصادية.. ضيوف سبوا المصريين ومصر.. ضيوف أرادوا بث بذور الفتن الطائفية بين المصريين.. ضيوف يعايرون المصريين بمحن بلادهم.. ضيوف يعتقدون فى حقهم فى قطع من أرض مصر.. ضيوف يعتقدون- لأنهم مسلمون- بحقهم فى مصر أكثر من حق الأقباط!

مع هذه المشاهد، ومع مصطلح عدم اليقين السياسى الذى يردده الجميع الآن، عن أى تمكين اقتصادى لهؤلاء تتحدثون؟ وكيف تتحدثون عن تمكين اقتصادى لهؤلاء بأموال المصريين؟! وأى دمج لأجسام وعقول معطوبة إما بداء الطائفية وإما بداء القبلية؟! ولماذا نمكن هؤلاء وكثيرًا من شبابنا يحلم بفرصة عمل؟!

أى فرصة تدريب أو عمل من موارد أى مؤسسة مجتمع مدنى مصرى المصريون أحق بها.

إننى أتوجه بحديثى للسادة رئيس مجلس وزراء مصر والسادة الوزراء المسئولين عن هذا الملف الشائك.. أنا كمواطن مصرى أرفض منح ثمرة الكفاح المصرى منذ ٢٠١١م لغير المصريين. أرفض أن نواجه أزمة جديدة ونحن مثقلون بأعباء اقتصادية- وكتل بشرية لا يمكن الوثوق بسلوكها السياسى- إضافية يتم اقتطاعها من أموال ضرائبنا ومساهماتنا فى الاقتصاد المصرى. لقد آن الأوان لأن يستمع هؤلاء السادة لصوت المصريين وأن يقرأوا المصريين قراءة صائبة. نحن الآن- ككل دول العالم- فى مفترق طرق، وعلينا أن نتخفف من أعبائنا التى حملناها وتحملناها كرمًا وشرفًا، وآن الأوان لأن تتحمل كل دولة مسئولياتها تجاه مواطنيها.

لو أن الأمر يتعلق ببعض معونات اقتصادية محتملة، فنحن المصريين اعتدنا على شرف تحمل مسئولية بلادنا ولا نعد شظف العيش فى المحن ضيقًا، بل نعده شرفًا وطنيًا شريطة أن نفعل ذلك من أجل بلادنا ومستقبل أبنائنا، وليس من أجل ممن استمرأوا كرمنا واستباحوا مقدراتنا دون وجه حق! نحن خلف دولتنا وبلادنا، لكن على الحكومة المصرية أن تجيد قراءة ما يجول بضمائرنا!. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق