يقدم الباحث عمرو عبد العزيز منير في كتابه «من التاجر إلى الساحر: تحولات صورة اليهود في سيرة الظاهر بيبرس» قراءة مغايرة لصورة اليهود في المجتمع المصري خلال عصر سلاطين المماليك، متتبعًا حضورهم الثقافي في تلك الفترة الزمنية.
الخمر وصناعة الانحراف عند الهود في زمن الظاهر بيبرس
من الصناعات التي أسهم اليهود في رواجها صناعة الخمر من الكروم، ونظرًا لأن هذه الصناعة كانت محل بغض من الفقهاء والعلماء المسلمين، كانوا كثيرًا ما يقومون بإراقة الخمر المصنعة والمطالبة بمعاقبة من يفعل ذلك، ورأت السلطات المملوكية أن تفرض ضريبة على صناعة الخمر، ويبدو أن هذه الضريبة قد فرضت في عهد السلطان قيتباي؛ مما جعل ميشلوم بن مناحم يعبر عن استيائه من تلك الضريبة لأنها جعلتها تدخل ضمن السلع ذات السعر المرتفع .
نجد إشارة ابن دانيال في كتاب "طيف الخيال" عن تورط اليهود في شرب وبيع الخمور، ودعوته للسلطان بتطبيق الحد على الجميع دون استثناء بقوله: "وفي القَهْوة (يقصد بها الخمر) سلوةُ الأحزان، لولا خِفَّةُ المِيزان، وطاعةُ الشيطان، وعصيان السُلْطان وحدةُ الحدود، والأَخْذُ مع النَّصارَى واليهود.
ورغم ذلك لا نعدم إشارات أدبية في "كتاب الهفوات النادرة" تؤكد تفوق اليهود في صناعة الخمور المعتقة؛ إذ نجدها ضمن بعض أصناف الأطعمة والأشربة التي كانت أكثر شيوعًا بين الأغنياء والفقراء على حد سواء، والتي كانت من ضمن المغريات لقبول الدعوات الاجتماعية: "اجلسا عندي حتى أقعدكما على لبود وأطعمكما طباهجة بكبود وأسقيكما من معتقة اليهود، التي أجادوا صنعها لأنها مقدسة لديهم ويغمسون فيها خبزهم، ويسكبونها في أكواب فصحهم .
بدت الخمرة عند اليهود رمزًا متناقض الدلالة فكما دلت على الحياة أشارت إلى الفساد والموت، وكما رمزت إلى الطاعة والتعبُّد دلت على العصيان؛ إذ يقدس الأحبار أولى الأعناب المختمرة يهدونها للرب صباحًا مساءً ويسكبونها في زوايا الهيكل الأربع، ولكن يلزم مراقبة الكمية المسموح بها وينظم طقوس استعمالها.
وفي المقابل نجد في سيرة الظاهر بيبرس صورتين متناقضتين لليهودي:
الأولى صورة يهودي لا يجد اللذة إلا في شرب الخمر بل أغوى الأشرف حليل بن قلاوون بشربها؛ لأنها "من يتعاطاها ينشرح صدره وينفى عنه الهموم، "فقال له: هات حتى أشرب معك، وكان اسم اليهودي عزر.
وفي مشهد آخر لسيرة بيبرس نجد يهوديًّا متمسكًا بتعاليم التوراة الرافضة للانحراف السلطوي وشرب (الوالي) ولي الأمر للخمر؛ مما يؤدي إلى تحقق ما ورد في كتب اليهود المقدسة من "أن الملك الذي يرتكب الكبائر يقل الخير في الأرض"، وبعد تحقق بيبرس من تورط الخليفة في شرب الخمور يأخذ الجاني من بين مماليكه ويدخله إلى قاعة مجاورة ليضربه بالحد الشرعي، ويرسل مكافأة إلى اليهودي على صدقه.
الراوي يستمد التضييق على ذوي الأمراض الاجتماعية دون استثناء لأي طبقة في سيرة بيبرس من واقع تاريخي اشتهر به الظاهر في عصره؛ حيث تؤكد الكتابات التاريخية أنه كثيرًا ما تعرضت أماكن الفسق والفجور في مصر المملوكية للتضييق الرافض لهذه الممارسات والألوان من وسائل اللهو الماجن والخلَّاع أصحاب المجون.













0 تعليق