محمد طه.. الصوت المصري الذي أسر القلوب بالغناء

الدستور 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

عندما يذكر الغناء الشعبي المصري، تتردد الأسماء الكلاسيكية التي شكلت وجدان الناس وبنت جسورًا بين الفن والتراث، ويأتي في مقدمتها محمد طه، الفنان الذي لم يكن مجرد مطرب شعبي، بل ظاهرة فنية متفردة جمعت بين الأصالة والبساطة والقدرة على التعبير عن نبض الشارع المصري بصدق وعفوية.

152.jpg

النشأة والبدايات

ولد محمد طه في 24 سبتمبر عام 1922 بقرية قرية سنتماي التابعة لمركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية، ونشأ في أسرة بسيطة أحبت الفن والغناء الشعبي، منذ صغره، كان مولعًا بالموال والقصص الغنائية التي يسمعها من الحكائين في الموالد والأفراح، فحفظها بصوته العذب، وبدأ يقلد كبار المنشدين والمطربين الشعبيين في قريته.

التحق في بداياته بأحد الفرق الشعبية الصغيرة التي كانت تقدم عروضًا في الريف، وهناك بدأت موهبته تلمع، فانتقل إلى القاهرة باحثًا عن فرصة حقيقية لإثبات نفسه.

153.jpg

الانطلاقة والشهرة

 

في القاهرة، كانت بدايته الحقيقية من خلال الإذاعة المصرية في الأربعينيات، حيث قُدم كمطرب شعبي صاحب طابع خاص، سرعان ما تميز بصوته القوي وقدرته على ارتجال الموال بطريقة تمزج بين الحزن والفرح، ما جعله يلفت الأنظار وينال إعجاب الجمهور والنقاد على السواء.

غنى محمد طه مئات المواويل والأغنيات الشعبية التي لامست قلوب الناس، مثل: "قولوا لعين الشمس ما تحماشي"، و"ع الندى"، و"يا اللي رمشِك جرحني"، و"منين أجيب ناس"، و"الصبر طيب"، و"يا اللي بداري"، وغيرها من الأغاني التي أصبحت جزءًا من التراث الغنائي المصري.

154.jpg

أسلوب فريد وصوت لا ينسى

امتاز محمد طه بأسلوب فني مغاير، إذ لم يعتمد على الآلات الحديثة أو التوزيع الموسيقي الكبير، بل على الطرب الصافي وقوة الأداء والارتجال، كان يؤدي الموال كأنه يحكي قصة حياة كاملة، بصوت مفعم بالشجن والدفء.

كما كان يستمد كلماته من البيئة الريفية المصرية، فيغني عن الحب، والغربة، والشهامة، والوفاء، والناس البسطاء، مما جعله محبوبًا من جميع طبقات المجتمع.

لم يكن محمد طه فنانًا منعزلًا عن قضايا وطنه، فقد غنى للوطن وللجنود في الحروب، وكان صوته يبث عبر الإذاعة ليشعل الحماس في قلوب المصريين، وكان دائم الفخر بانتمائه إلى الطبقة الشعبية، مؤمنًا أن "الأغنية الشعبية هي نبض الناس الحقيقي".

155.jpg

في السينما والإذاعة

شارك محمد طه في عدد من الأفلام السينمائية التي أضافت إلى رصيده الفني، منها "أهل الهوى" و"حلاوة الحب" و"بنت البلد"، حيث كان حضوره يمثل روح الحارة المصرية الأصيلة، كما قدم العديد من التسجيلات الإذاعية التي أصبحت جزءًا من أرشيف الغناء المصري، ولا تزال تذاع حتى اليوم في المناسبات الريفية والمهرجانات التراثية.

مسيرة حافلة وإرث خالد

قدم خلال مشواره الفني أكثر من 1200 موال وأغنية، وأسس فرقة محمد طه للفنون الشعبية التي جابت المحافظات والقرى، مقدمة فنا أصيلًا يحمل هوية مصرية خالصة.

نال العديد من التكريمات من وزارة الثقافة والإذاعة المصرية تقديرًا لعطائه الطويل، كما لُقب بـ"ملك المواويل" و"الصوت المصري الأصيل".

الرحيل والخلود

رحل محمد طه في 4 نوفمبر عام 1990 بعد رحلة عطاء امتدت لأكثر من أربعة عقود، ترك خلالها تراثًا فنيًا ضخمًا لا يزال يردد حتى اليوم.

ورغم مرور السنوات، يبقى صوته حاضرًا في الذاكرة الشعبية المصرية، رمزًا للفن الأصيل الذي خرج من قلب الريف ليصل إلى كل بيت.

لقد كان محمد طه سفير الغناء الشعبي، وصوت الأرض المصرية الذي عبر عن أحلامها وأوجاعها، فاستحق أن يذكر دائمًا بوصفه الصوت الذي أسر القلوب بالغناء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق