.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
قاعة مؤتمراتٍ ضخمة في أحد مراكز الرعاية لطب النساء والتوليد في سان فرانسيسكو.
الزمان: التاسع عشر من مايو واليوم الثالث من المؤتمر والذي لسببٍ تجهلهُ لا يوحي بأنهُ يريدُ الانتهاء!
"اللعنة!!" أفلتت منها رُغماً عنها بضجرٍ واستحقاقٍ واضحين يسمحُ بهما أواخر عقدها السادس بجدارة! ...كم هو مذهلٌ أنّ يتقدمّ أحدهم في السنّ حيثُ يفقدُ رفاهية التظاهر أو التكلّف.. لماذا لا يذهبوا إلى الجحيم؟ ألا يتسعُ هذا الأخيرُ للجميع؟
أعادت النظر إلى عقارب ساعة يدها قبل أن تعود إلى فنجان قهوتها الذي برد منذ مدّة .. تماماً كرغبتِها في البقاء ... جلست تراقبُ ملامحِ تعرِفها جيّداً منذ عقود تحت الثّريات الثقيلة التي تشبه مجوهرات أرملة عجوز كانت في زمنٍ غابرٍ سيدة مجتمعٍ راقٍ تُقيم حفلاتِ الشاي وتخبزُ الكعك وتنخرطُ في النميمة.
خلعت كعبها الأسود ذي النعل الأحمر القان بهدوء تحت الطاولة المستديرة من شدة الألم... طاولة بغطاءٍ كريمّي من المخمل وبطاقة كُتب عليها اسمها ولقبها الأكاديمّي بشكلٍ أنيق، كاحليها متورمتان بشكلٍ مخيف ..ترويان سنواتٍ عجاف من الوقوف داخل غرفة العمليات وليالٍ من المناوبات الطويلة والكثير الكثير من الانتظار في أحد المطارات الباردة داخل مدنٍ أضاعت أسماءها...
لا تتذكر متى أصبحت عجوزاً إلى هذه الدرجة؟؟ عبرت الفكرة رأسها فور تشابُك عيناها اللوزيتين بانعكاس ملامحها في مزهرية معدنية ذهبيّة تتوسط الطاولة وتتدلى منها زهور الأوركيد البيضاء اليافعة...أحست وكأن الزمن ينتقمُ من كلّ ما أحبته حتى النخاع ليضيف على سنواتها سنواتٍ أخرى.
أيعقلُ أن يكون قد ابتلعها كلّ هذا؟ إنّها تنزف في كل مرة تتذكر أنها صمتت أحياناً عن ما يستحقُ الصراخ أو أنها أوصت ببعض الأدوية المعينة لأن الشركة الراعية أرادت ذلك أو ربما لأنها في مرحلة ما من الإنهاك حوّلت بعض مريضاتها إلى مجرد أرقام أو حالات أو أسوأ من ذلك ..إلى شيفرات للملفات! لم يكن هذا ما تصورت عليه الحياة ذلك الصباح عندما أوصلها والدها محطة الباص الوحيدة في قرية "المنسيّة" النائية قبل أن يدّس في كفها بعض الأوراق النقدية باهتة اللون والتي كان يدخرها منذ الصيف الفارط من أجل هذا اليوم، اليوم الذي تذهبُ فيه صغيرته إلى كلية الطب بالعاصمة ويأخذ عهدًا منهاَ أن تعود يوماً ما من أجل خِدْمة كل من تمّ تَعمُّدِ نسيانهم بنجاح.
احتفظت بوعدها وشغفها بعملها ونبلِ رسالتها ككثيرين غيرها ممن جمعتها بهم مقاعدُ المدرّجات وربما من أجلِ ذلك قرّرت أن لا تمتلك عيادة خاصّة وفضلّت التنقلّ من مشفى إلى آخر والتطوّع في مناطق النزاعات...لم يكن سهلاً استقبال الحياة في أماكن تمت برمجتها على رائحة الموت ولكن...أكان ذلك كافيا؟؟ أم أنها فقط تعزّي نفسها لتَشعُر ببعض التحسّن؟ أيعقلُ أن تكون قد تأقلمت دون مقاومة حقيقية؟
أفاقت من فوضى حواسِها على بعض الوجوه المألوفة رغم مرور السنوات.. مجموعة من الطلبة القدامى الذين كانت تشرِف على تدريبهم داخل القِسم قادمين نحوها مرددين عباراتِ الامتنان والتقدير... تحلقوا حولها لبرهة و كم شعرت بسعادة غامرة حقا...تجاذبوا أطراف الحديث قليلا ليختفوا ثانية وسط الزحام...
آه...كم تخشى أن يتم ابتلاعهم.. ليصبحوا يومًا ما فقراءٌ جدّا ... فقراءٌ لدرجة أنّهم لا يملكون سوى المال!!
عادت لفرك كاحليها المتورمتين ببطء و إلى هذا اليوم الذي لا يريد أن ينتهي! كم تودّ لو أنها عادت إلى غرفة الفندق لتغط في نومٍ عميق...لا من أجل جسد منهكٍ فقط بل من أجل روحٍ مثقلة ترى العالم بوضوحٍ متأخرٍ جدا..
ارتفع التصفيقُ فجأة في القاعة ..أحدهم أكمل مداخلة ليست متأكدة عن ماذا بالظبط فهي لم تعد قادرة عن التركيز ولكنها نهضت ككل الحاضرين لتشاركهم بطريقة ميكانيكية بعض التصفيقِ وتبادل الابتسامات..
تسلّلت بهدوء من القاعة الواسعة نحو الممرّ الخارجي أين سارت عبر لافتاتٍ دعائيّة لشركاتٍ دوائيّة قبل أن تظغط على زرّ المصعد... كان الضوء أكثر خفوتاً و المكان أكثر بياضا وتعقيما ...
نزعت كعبها بسرعة وحملته بين يديها ودلفت إلى الداخل أخيراً...ها هو بابُ المصعد ينغلقُ والصخبٌ يبتعد شيئا فشيئا ليُدفن في الخلفية ككّل شىء أحبته حتى النخاع...
















0 تعليق