.
.
.
نقدم لكم عبر أقرأ 24 iqraa24.com،
يعد طريق الحج المصرى القديم عبر سيناء منظومة حضارية متكاملة داخل مجتمع متنقل، حيث يقود القافلة أمير الحاج وهو القائد العام للقافلة كلها، وكانت مهمته اختيار زمن التحرك وسلوك أوضح الطرق وترتيب الركب فى المسير والنزول والحراسة وقتال من يتعرض للقافلة ومن أشهرهم الأمير سلار نائب السلطنة، وكان أميرًا للحاج عام 703هـ وكان له فضائل عديدة حتى عم الخير فدعوا له "يا سلار كفاك الله شر النار".
وأوضح خبير الآثار الدكتور عبد الرحيم ريحان مدير المكتب الإعلامى لمجلس الأثرين العرب، أن حماية ورعاية موكب الحجيج عبر سيناء تطلب وجود حكومة مصغرة ترافق موكب الحجيج، تضم ممثلًا للسلطة العسكرية وهو أمير الحاج والسلطة القضائية وهو قاضى المحمل، ووزارة التموين ممثلة فى شاد المخازن والكيلار (القبانى) للتقسيم العادل للمؤن طوال الرحلة ومشرفون على ملء المياه وتوزيعها ونظافة الأوعية الجلدية التى تحمل فيها المياه وهم شاد السقائين ومهتار الشراب خانه ومهتار الطشت خانة ومشرفون على طهى الطعام مثل شاد المطبخ والطباخون.
وترافق الموكب وزارة صحة متنقلة تضم طبيب صحة وجراح (الجرائحى) وطبيب عيون وبعض الأدوية علاوة على الطب البيطرى،حيث كان هناك شخص مهمته مراقبة الدواب وحالتهم الصحية يطلق عليه أميراخور ومعه طبيب بيطرى،علاوة على الخدمات المرتبطة بالموكب.
ويطلق على قائد حاملى المشاعل "مقدم الضوئية" وهى المشاعل التى توقد بالزيت وبعضها بالخشب، ويشرف مقدم الهجانة على أكسية الجمال التى تتصف بشيء من الأبهة للحرص على جمال القافلة أثناء السير، وهناك الشعراء وهناك الميقاتى لتحديد مواعيد الصلاة والمؤذن والوظائف الصغيرة كالخباز والنجار ومغسلى الموتى.
أول وكالة أنباء فى التاريخ
وأشار "ريحان" إلى وجود رجل إعلام يرافق موكب الحجيج يمثل أول وكالة أنباء فى التاريخ، وهو شخص مكلف بالكتابة عن كل أخبار الرحلة وما صادفهم من صعوبات ومشاكل وعدد الوفيات،وهو أول من يسرع إلى الحاكم بعد عودة الحجيج سالمين ليقدم تقريرًا كاملًا عن الرحلة.
ولم تخل الرحلة من المشاعر الروحية الفيّاضة، فكان يرافق الموكب الشعراء الذين كانوا يترنمون بالأشعار الدينية فى جو البادية الممتدة والتى تمنحهم الخيال الخصب برؤية الكعبة المشرفة أمامهم طوال الرحلة تنادى على عمارها فيلبون النداء لبيك اللهم لبيك.

الحجاج قديما
بداية الموكب
ينوه "ريحان" إلى استمرار الحج عبر مصر إلى البقاع المقدسة فى الحجاز لعدة قرون عبر العصور الإسلامية المتتالية ليس لحجاج مصر فقط بل حجاج الأندلس والمغرب العربى وإفريقيا كرسالة حضارية وتفانى لخدمة حجاج بيت الله الحرام، وجسّدت شجر الدر محطة مفصلية في تاريخ قوافل الحج عبر سيناء حين سلكت (درب الحج المصري) عبر سيناء لأداء الفريضة عام 645 هـ (1247 م) لتؤسس اللبنة الأولى لاستخدام هذا المسار البري كطريق رسمي ومختصر لقوافل.
وبدأت رحلات الحج حين استعاد السلطان الظاهر بيبرس الذى حارب الصليبيين لمدة عشر سنوات مدينة عقبة أيلة (بالأردن حاليًا) من السيطرة الصليبية عام (665هـ / 1267م) فأحيى درب الحاج المصرى عبر وسط سيناء وأعاده إلى سابق عهده طريقًا للحج وقام الظاهر بيبرس بكسوة الكعبة وعمل لها مفتاحًا ثم أخرج قافلة الحاج فى البر على درب الحاج المصرى وانتهى بذلك طريق الحجاج عبر صحراء مصر الجنوبية الشرقية عن طريق قوص- عيذاب وفى عام (667هـ / 1268م) زار الظاهر بيبرس مكة عن طريق أيلة.
تميز الطريق بوجود ثلاث مراحل زمنية، المرحلة المبكرة وقد امتدت من الفتح الإسلامى حتى أواخر حكم الفاطميين وكانت منطقة جب عميرة (بركة الحاج) بداية هذا الطريق فى كل مراحله وكانت الرحلة من العاصمة إلى عقبة أيلة تستغرق تسعة أيام، وكانت هذه المدة مقسمة إلى ثلاث مراحل متساوية ، طول كل مرحلة ثلاثة أيام.

طريق الحج قديما
ولفت الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى أنه منذ عام 675هـ فى عهد الظاهر بيبرس كان يدور المحمل بالقاهرة دورتين، الأولى فى رجب لإعلان أن الطريق آمن لمن أراد الحج، والثانية فى شوال ويبدأ الموكب من باب النصر وكان الناس يخرجون للفرجة على المحمل الشريف.
تبدأ رحلة الحجاج فى هذه المرحلة من بركة الحاج وهناك موقع بالقاهرة الكبرى بهذا الإسم حتى الآن وكانت القافلة تتزود بما يلزمها من طعام ومياه تكفيهما فى هذه المرحلة على الأقل حتى الوصول إلى عجرود للتزود بالمياه وتتميز عجرود بقربها من القلزم (السويس) مما يجعل منها سوقًا لقوافل الحج كما أنها تتصل بمدينة بلبيس عبر وادى الجفرة مما مكنها من احتلال موقع هام على الطريق الواصل بين بلبيس وشرق الدلتا من ناحية وبين موانئ مصر على رأس خليج السويس من ناحية أخرى، وتمر عليها القوافل العربية التى احترفت نقل الغلال من شرق الدلتا إلى موانئ التصدير ويفد على عجرود مجموعة من التجار للاستفادة من مرور قافلة الحج بها كل عام.
المحطات عبر وسط سيناء
ويشير "ريحان" إلى مسار الموكب من عجرود إلى السويس ومنها نحو الجنوب مع ساحل خليج السويس وصولًا إلى عيون موسى بهدف التزود من مياهها العذبة الغزيرة نسبيًا ومنها إلى وادى صدر (سدر) ثم الصعود فى بطن الوادى إلى أعاليه حيث عين صدر للتزود بالمياه ومنها إلى سطح هضبة التيه ثم يجتاز الروافد العرضية المتصلة بوادى العريش ومنها إلى نخل ويتميز هذا الطريق بقلة الكثبان الرملية وضيق نطاقها مما يسهل السير فيها.

عيون موسى
تستكمل قافلة الحجيج طريقها إلى نخل وعقبة أيلة وهى المرحلة الأخيرة من الدرب داخل الحدود المصرية حيث تجتاز القوافل باقى سطح هضبة التيه فى قسمها الشرقى (شرقى نخل) مستفيدة من الأودية الفرعية لوادى العريش كمسارات عرضية ومواضع توجد بها بعض أشكال أو صور المياه تحت السطحية حتى وإن قلت فلها أهميتها وقد أعطت هذه الموارد المائية محطات الطريق أسماءها مثل بئر الثمد وبئر القريص إلى رأس النقب أو سطح العقبة ومنها إلى دبة البغلة ومنها إلى سطح العقبة ثم الأراضى الحجازية إلى مكة المكرمة.
ويختتم الدكتور ريحان بأن قافلة الحجيج كانت تغادر مصر على النظام الآتى :- الرسميون ثم الأعيان ثم الحجاج ، أما صندوق المال والمؤن والنساء والبضائع الثمينة فقد كانت توضع فى وسط القافلة ويتبعها ركب الحجاج العاديين من غير الرسميين والأعيان، وقد تقرر مرتب خاص لرئيس المحمل قدره 18 ألف دينار و ألف أردب من القمح وأربعة آلاف أردب من الفول ويرافق أمير الحاج عدد من الموظفين والخدم والحاشية.
وكانت سوق التجارة فى مكة أعظم سوق فى العالم فى الأيام العشرة التى يقضيها الحجاج فى المدينة المقدسة، وكان تبادل تجارة الهند ومنتجات الشرق يقدر بملايين من الدينارات وترسل تلك البضائع مع المحمل أو إلى جدة رأسًا لنقلها من هناك إلى السويس، أما جدة فهى الميناء التى تتجمع فيها غلال مصر وخضرواتها وتجارة الهند والقهوة اليمنية.

















0 تعليق