خالد دومة يكتب: أحلام المجد والخُيَلاء

اليوم 7 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

يطلب بعض الرجال المجد عبر إثارة القلاقل وإشعال الحروب، فيصنع لنفسه شهرةً قائمة على القتل والفتك والدمار، مستهينًا بأرواح البشر. فلا يرى من الحياة إلا أن تُشيَّد له التماثيل، ويطوف حولها الأتباع، حتى وإن وطأت أقدامهم الأجساد، وسفكت دماء الأبرياء, واتخذوا من أشلائها درجاتٍ يرتقون بها لتحقيق مآربهم ومطامحهم.
لقد مضى زمن الفتونة، غير أن هناك من لا يزال يسلك سبيلها، مستندًا إلى منطق القوة والابتزاز، ولو كان ذلك على حساب دماء تُسفك ومدنٍ تُهدم. وفي هذا السياق، يبرز نموذج قيادي غير متزن, مثل دونالد ترامب، الذي جعل من الخصومة الفاجرة، والتهديد والوعيد، وإطلاق الصواريخ، وإلقاء القنابل، أدواتٍ لحضورٍ صاخب, أربك به النظام العالمي, واهتز له الاقتصاد في كل بقعة من أركانه.


وبين الرأي ونقيضه، وبين الصدق والكذب، وبين الإقدام مرة والإدبار أخرى، يقف العالم حابسًا أنفاسه أمام رجلٍ يتأرجح بين المواقف من دقيقةٍ إلى أخرى، ويطلق التصريحات جزافًا. وعلى الرغم من رئاسته لدولةٍ عظمى، فإن ذلك لم ينعكس — في نظر كثيرين — على مستوى القيم الإنسانية أو النضج الأخلاقي. بل بدت قراراته في أحيانٍ كثيرة ارتجالية، تكشف عن ضعف الحنكة السياسية، وقصورٍ في فهم تعقيدات الواقع الدولي, ومجريات الأحداث.


إن الرجل لم يدخل عالم السياسة, عبر درايةٍ عميقة بقوانينه، ومعرفة نواميسه؛ بل قادته إليه الثروة والوجاهة، دون إدراكٍ كافٍ لما يجري في ظاهره، فضلًا عن خفاياه التي تُدار في الغرف المغلقة، ولا يطّلع عليها إلا قلة من صُنّاع القرار. ومن يجهل هذه العوالم، ولا يحسن التمييز بينها، قد يُقدم على خطواتٍ ارتجالية تودي بحياة الآلاف، وتشعل فتيل حروبٍ تمتد آثارها لسنوات.


ويبدو أن هناك اعتقادًا لديه, بأن العالم يجب أن يكون بين أمرين, إما تابعٌ له، أو عاجزٌ عن مواجهته؛ وهي أوهام يغذيها المحيطون به، ممن اصطنعهم لتأييد قراراته, وهو لا يدري عواقب ما يصنع, وأن هذا التصور قد يقوده إلى تقديراتٍ خاطئة، كما حدث حين ظنّ أن خصومه سيرفعون الراية البيضاء خلال ساعات من بداية حربه،  مستغيثين راجين وقف الحرب ضدهم, فيُملِي شروطه وأوامره, ويظفر بما يريد من مطامع, ويحقق مطامحه، فإذا بالنتائج كارثية, تأتي على خلاف ما توهمته نفسه وبطانته.
فماذا كانت حصيلة الغرور والتهور والعشوائية؟ فشل ذريع, خسائر مادية فادحة، وتراجع في الشعبية التي اصطنعها المال، وانعدام في الثقة الدولية, وقد تحتاج الولايات المتحدة وقتًا طويلًا لاستعادة ما فقدته من رصيدها لدى حلفائها, ولم يتحقق من الأهداف المعلنة والغير معلنة, لا كثير ولا القليل، إن لم يكن العكس هو الصحيح؛ حيث تضررت السمعة، واهتزت صورة القيادة، وارتفعت أصوات تنتقد أسلوب الإدارة، وتصفه بالاندفاع وسوء التقدير.


وأعاد التفكير في سوء الاختيار, كيف يمكن لشعبٍ أن يختار قيادةً على هذا النحو، في دولةٍ تُعرف بمؤسساتها التي تفحص أدق تفاصيل شخصية من يتولى المناصب العليا؟ ولا تترك شاردة, ولا واردة إلا وضعتها تحت المجهر, ووضعت لها الاحتمالات, ورسمت لها الحدود’ وهو سؤال يتجاوز شخصًا بعينه، ليمسّ آليات الاختيار، والمعايير التي يجب ان تتوفر في القيادات التي تحكم، وحدود الوعي السياسي لدى الأمم والشعوب, عند اختيار الزعماء.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق