شهدت قاعة "علي مبارك" بمقر الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية، صباح اليوم الأحد 19 إبريل، فعاليات ندوة بعنوان (تراثنا الموسيقي.. ذاكرة وطن)، وذلك ضمن احتفالات الدار باليوم العالمي للتراث، أقيمت الندوة برئاسة الأستاذ الدكتور أسامة طلعت، رئيس مجلس إدارة الهيئة، وبمشاركة الأستاذ الدكتور إيهاب صبري، أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، الدكتورة إيمان البابلي باحثة في الموسيقى المصرية القديمة، دكتور مسعود شومان باحث في الدراسات الشعبية والانثروبولوجية، وتحت إشراف الأستاذة رشا أحمد، مدير قاعة الموسيقى
بدأت الندوة بالسلام الجمهوري، عقب ذلك، ألقى الأستاذ الدكتور أسامة طلعت كلمة افتتاحية رحب فيها بالضيوف، مؤكداً على أن الموسيقى المصرية ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي "وثيقة تاريخية" حية تعكس عبقرية الشخصية المصرية عبر العصور، ومعبراً عن سعادته بإقامة هذه الندوة التي تأتي تزامناً مع الاحتفال باليوم العالمي للتراث، وأكد في مقدمة حديثه أن التراث ليس مجرد ماضٍ انتهى، بل هو الجسر الذي يربطنا بجذورنا ويمهد الطريق لمستقبلنا.
وأوضح الدكتور أسامة أن اختيار موضوع "تراثنا الموسيقي" ليكون محور الندوة ينبع من كون الموسيقى هي اللغة العالمية التي تعبر عن وجدان الشعوب، وأشار إلى أن مصر تمتلك إرثاً موسيقياً فريداً يمتد من عصور ما قبل التاريخ، مروراً بالعصور المصرية القديمة والقبطية والإسلامية، وصولاً إلى العصر الحديث، وهو ما يجعل من تراثنا الموسيقي "ذاكرة وطن" حقيقية.
كما شدد في كلمته على الدور الحيوي الذي تلعبه دار الكتب والوثائق القومية في صون هذا التراث، من خلال حفظ المخطوطات الموسيقية النادرة، والتسجيلات الصوتية القديمة، والنوت الموسيقية لكبار الملحنين، وأكد أن الهيئة لا تكتفي بالحفظ فقط، بل تسعى جاهدة لإتاحة هذا الكنز المعرفي للباحثين والأجيال الجديدة لتعزيز الهوية الوطنية.
ومن جانبه أكد الأستاذ الدكتور إيهاب صبري على أن التراث الموسيقي المصري يعد الركيزة الجوهرية للهوية الوطنية، فهو ليس مجرد ألحان عابرة، بل "ذاكرة حية" توثق التحولات السوسيو-ثقافية التي مرت بها الأمة عبر العصور، وأوضح أن هذا الإرث يتجلى في تنوع ثري يجمع بين القوالب الكلاسيكية، والموشحات، والمأثور الشعبي، مما يشكل سجلًا أنثروبولوجيًا يحفظ الوجدان الجمعي من التآكل أو الاغتراب.
تولت الأستاذة رشا أحمد، مدير قاعة الموسيقى بدار الكتب، إدارة جلسات الندوة بمهنية عالية، حيث نجحت في خلق حالة من التناغم بين الرؤى الأكاديمية المختلفة للمتحدثين، وقد أثارت خلال النقاش تساؤلاً محورياً وجّهته للمنصة حول "السر" الكامن وراء قدرة النغم المصري على الصمود والحفاظ على هويته المتفردة عبر كل هذه القرون رغم تعاقب الحضارات والمؤثرات الخارجية، وفتحت بهذا السؤال باباً لتحليل خصائص السلم الموسيقي المصري والمقامات الشرقية التي صهرت داخلها روافد التاريخ لتخرج بلغة نغمية موحدة تعبر عن الوجدان الشعبي وتعمل كحائط صد ضد الذوبان الثقافي، كما أكدت في مداخلتها أن دور قاعة الموسيقى يتجاوز مجرد الحفظ الأرشيفي إلى كونه دوراً تنويرياً يسعى للإجابة على هذه التساؤلات وتقديمها للأجيال الجديدة لتعزيز وعيهم بإرثهم الفني العريق.
كما أشار الدكتور صبري إلى أن استحضار هذا التراث في العصر الراهن يمثل فعلًا من أفعال المقاومة الثقافية، حيث يسهم بشكل فعال في ترسيخ الانتماء لدى الأجيال الجديدة وربطها بجذورها الحضارية، واعتبر الإبداع النغمي المصري قوة ناعمة وشاهدًا على عبقرية المكان، وقدرة الإنسان على صياغة تاريخه في قوالب جمالية تتجاوز حدود الزمن لتخاطب الإنسانية جمعاء.
وفي سياق متصل، شدد صبري على أن التراث الموسيقي يمثل المختزن العميق لذاكرة الوطن، وبنية معرفية تعكس عبقرية "الشخصية المصرية" وقدرتها على صهر الروافد الحضارية المتعددة في لغة نغمية موحدة، وأكد أن هذا الموروث هو حائط الصد الأول لحماية الهوية الوطنية من الذوبان في موجات العولمة الثقافية المتسارعة.
واختتم كلمته بالتأكيد على المسؤولية الأكاديمية التي تفرضها علينا ضرورة الحفاظ على هذا الإرث من خلال تدوينه وتحليله لضمان استمراريته، وبذلك، تظل الموسيقى المصرية هي الخيط الرابط بين أمجاد الأمس وتطلعات الغد، موثقةً وجدان شعب مبدع، حيث إن صون هذه الذاكرة هو في جوهره صون للريادة الثقافية وامتداد لروحها الحية عبر الزمان والمكان.
ومن جانبه تحدث الشاعر والباحث د. مسعود شومان عن طرائق الغناء الشعبي بدءا من النميم والموال والمربع والكف كما تناول الفنون البدوية مثل الشتاوة والمجرودة وغناوة العلم وأشار للثراء،الكبير فى الآلات الموسيقية الشعبية وترية وآلات نفخ من العاب وآلات إيقاعية ومصوتات وطالب بعمل متحف للألات الموسيقية الشعبية وتدوين موسيقاها وإيجاد مظلة اجتماعيةونقابية للعازفين وتحديث أطلس الموسيقى الشعبية مؤكدا على ضرورة رسم استراتيجية لجمع وتصنيف ووصف الآلات الموسيقية الشعبية وربطها بالسياقات الاجتماعية والثقافية واللحاق بتوثيق هذه الآلات وإمكانات العزف عليها قبل تصبح في طى النسيان.
كما قام بعرض صوتى لأهم الفنون القولية الشعبية عارضا لموسيقى الطنبورة والمجرودة والمربع والكف والسيرة الهلالية لافتا الانتباه للكنوز البشرية الحية ولطرق صناعة الألات الموسيقية والطقوس المرتبطة بها وقدم ملامح التميز في موسيقى منطة حلايب وسيوة والوادي الجديد داعيا المؤسسات الثقافية بضرورة إنشاء فرقتين هما الفرقة القومية للسيرة الهلالية والفرقة القومية للحدود المصرية لرسم حدود فنية وثقافية داعمة للحدود المصرية الجغرافية ورسم خريطة تؤطر لهذه الفنون.
كما تناولت الدكتورة إيمان البابلي في كلمتها العمق التاريخي للموسيقى المصرية، مسلطة الضوء على آلة "السيستروم" أو "الشخشيخة" كواحدة من أهم الآلات الموسيقية في مصر القديمة، وأوضحت أن هذه الآلة لم تكن مجرد أداة لإصدار الألحان، بل كانت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالطقوس الدينية والاحتفالات الجنائزية، حيث كانت تُستخدم لإصدار أصوات معدنية رقيقة يُعتقد أنها تطرد الأرواح الشريرة وتجلب البركة.
كما استعرضت الدكتورة البابلي التطور الفني لهذه الآلة، مشيرة إلى أنها كانت تُصنع غالباً من البرونز أو النحاس وتتخذ أشكالاً رمزية، مثل رأس المعبودة "حتحور" التي كانت رمزاً للموسيقى والجمال، وأكدت أن "السيستروم" تعكس مستوى الرفاهية والوعي الفني الذي وصل إليه المصري القديم، وكيف استطاع تطويع المعادن لخدمة الفن والطقس الديني في آن واحد.
وفي ختام كلمتها، شددت البابلي على أهمية دراسة هذه الآلات لكونها تمثل حلقة وصل مادية تربطنا بجذورنا الموسيقية الأولى، مؤكدة أن صدى أصوات "السيستروم" التي تعالت في المعابد المصرية القديمة ما زال يتردد في وجداننا المعاصر كجزء لا يتجزأ من هويتنا الثقافية الفريدة.
ولم تقتصر الندوة على الجانب النظري فحسب، بل شهدت تفاعلاً فنيًا حيًا أضفى روحًا ملموسة على مفهوم "التراث المستمر"، حيث قدم الدكتور شادي نصيف أداءً طربيًا متميزًا لـ "دور كادني الهوى" من روائع الملحن محمد عثمان، مستعرضًا من خلاله جماليات القوالب الغنائية الكلاسيكية. وفي لفتة تجسد تواصل الأجيال والحفاظ على الذوق الرفيع، قدمت الطالبة هاجر (بالصف الثالث الإعدادي) فاصلًا فنيًا جمع بين الغناء والعزف المنفرد على آلة العود، حيث أدت مجموعة من روائع عمالقة الفن: أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وفريد الأطرش، وهو ما لاقى استحسان الحضور وأكد على دور النشء في حمل لواء الهوية الموسيقية
















0 تعليق