فى سلسلة "كلمات نوبل"، تبدو كلمة تقديم جائزة نوبل فى الآداب لعام 1912 واحدة من النصوص المهمة التى تكشف الطريقة التى كانت ترى بها الأكاديمية السويدية الأدب الكبير فى بدايات القرن العشرين، إذ منحت الجائزة فى ذلك العام للأديب الألمانى جيرهارت هاوبتمان، وقدمت فوزه عبر خطاب رسمى ألقاه هانس هيلدبراند، السكرتير بالإنابة للأكاديمية السويدية، فى 10 ديسمبر 1912.
وركزت الكلمة على مكانة هاوبتمان فى فن الدراما، مؤكدة أنه كان وقتها قد بلغ الخمسين من عمره، وأنه وقف فى ذروة نضجه الفنى، بعد مسيرة وصفتها الأكاديمية بأنها غنية على نحو استثنائى، وأشارت إلى أن بدايته المسرحية المبكرة سرعان ما تبلورت فى عمل مهم هو مسرحية "النساجون" الصادرة سنة 1892، التى رأت فيها المؤسسة المانحة دليلا واضحا على اكتمال أدواته الفنية ونضج رؤيته.
الألمانى جيرهارت هاوبتمان
ولم تتوقف كلمة نوبل عند قيمة الإنجاز الفنى المجرد، بل أولت عناية خاصة لعلاقة هاوبتمان بالإنسان، إذ أوضحت أن معظم مسرحياته تناولت أحوال الطبقات الفقيرة والبائسة، انطلاقا من ملاحظته الدقيقة للناس وبيئاتهم، خصوصا فى موطنه سيليزيا، ولفت الخطاب إلى أن شخصياته لم تكن أنماطا جاهزة أو قوالب مكرورة، بل أفرادا كاملى التكوين النفسى والإنسانى، وهو ما منح أعماله قوة واقعية لافتة.
ورأت الأكاديمية أن واقعية هاوبتمان لم تكن غاية فى ذاتها، ولا احتفاء بالبؤس، وإنما كانت طريقا لفتح السؤال الأخلاقى والاجتماعى، كيف يمكن إزالة هذه المعاناة وصنع شروط أفضل للحياة؟ ومن هنا بدا الأدب، فى هذا الخطاب، فعلا إنسانيا لا ينفصل عن الوعى بالعدالة وعن الحلم بعالم أكثر رحابة.
كما أبرزت الكلمة تنوع التجربة الأدبية عند هاوبتمان، فلم تحصره فى الواقعية وحدها، بل أشارت إلى ما سماه هو "الدراما الخرافية"، مستشهدة بمسرحيتى "صعود هانيليه إلى السماء" و"الجرس الغارق"، إلى جانب روايته "إيمانويل كوينت.. الأحمق فى المسيح" الصادرة عام 1910، التى اعتبرتها الأكاديمية محاولة فنية جريئة ومعقدة لتصوير التطور الداخلى لروح إنسانية مضطربة.
وفى قلب الخطاب، وضعت الأكاديمية معيارها الأساسى فى تقدير هاوبتمان، وهو قدرته على التوغل فى النفس البشرية، فالشاعر أو الكاتب الحقيقى، بحسب كلمة التقديم، ليس إنسانا عاديا يكتفى بما يظهر على السطح، بل يمتلك "هبة الحدس"، أى القدرة على رؤية ما وراء الأفعال والمظاهر، وفى هذا السياق، اعتبرت الأكاديمية أن سر سحر أعمال هاوبتمان يكمن فى أنه صنع شخصيات حية ومتفردة، لا مجرد أمثلة على أفكار أو مواقف.
وانتهت الكلمة إلى أن هذه المكانة لم تأت مصادفة، بل كانت ثمرة بحث فنى طويل، واتساق فى الشعور والفكر والعمل، ودقة فى الصياغة والبناء، وهى الأسباب التى جعلت الأكاديمية السويدية ترى غيرهارت هاوبتمان جديرا بجائزة نوبل فى الآداب لعام 1912. وبذلك تبقى هذه الكلمة وثيقة أدبية وثقافية تكشف كيف كانت نوبل، فى تلك المرحلة، تكافئ الكاتب الذى يجمع بين الفن الرفيع والقدرة على الإنصات العميق للروح البشرية.


















0 تعليق