Advertisement
- أولاً: ظروف الاحتلال المتشابهة
-ثانياً: تشابه الضغوط الممارَسة على لبنان
لم يكن أي من الاتفاقين وليد قرار لبناني حرّ، بل جاء نتيجة ضغوط خارجية مكثفة مورست على الدولة اللبنانية لدفعها نحو التوقيع. ففي "اتفاق 17 أيار" ، مارست الإدارة الأميركية، عبر مبعوثيها ووزير خارجيتها آنذاك، ضغطاً مباشراً على الرئاسة اللبنانية للقبول بشروط التفاوض التي كانت إسرائيل تفرضها عملياً من موقع المنتصر، وسط إحساس لبناني بأن الخيارات محدودة للغاية أمام دولة لا تملك أوراق قوة موازية.
اما في "اتفاق الإطار" ، فقد تتكرر الصورة ذاتها وإن بأدوات العصر: ضغط أميركي مباشر ومعلن، تُرجم بزيارات مكوكية ومهل وتصريحات علنية، ترافقه ضغوط ميدانية إسرائيلية عبر الاستمرار في الخروق والاغتيالات، بهدف دفع الدولة اللبنانية إلى تسريع تنفيذ التزاماتها. في الحالتين، لم يكن لبنان يتفاوض بصفته طرفاً يملك زمام المبادرة، بل بصفته دولة مطالَبة بتقديم التنازلات تحت وطأة إنذارات ومهل يحددها آخرون لا هي. ولعل المسار المجمد للمفاوضات حالياً خير دليل على حجم الإرباك الذي يواجه لبنان ويجعله في حالة ضياع في ما خص مستقبل هذا الخيار .
-ثالثاً: تشابه السياق الإقليمي والدولي
اما "اتفاق الإطار" فيعيد إنتاج هذا النمط بحلّة مختلفة: الخلاف اليوم ليس بين أميركا والاتحاد السوفياتي، بل بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران بصفتها قوة إقليمية صاعدة تملك تحالفاتها وأذرعها في المنطقة من جهة أخرى، وفي مقدمها "حزب الله" في لبنان. وكما كانت سوريا يومها الطرف الإقليمي الرافض والمعطِّل، تبدو إيران اليوم في موقع مواز من حيث التأثير في مسار "اتفاق الإطار"، وإن اختلفت الأدوات والسياقات. القاسم المشترك أن لبنان، في الحالتين، لم يكن لاعباً في صياغة التوازن الإقليمي - الدولي، بل ساحة تتحدد فيها نتائج هذا التوازن، والمسار المتسارع للأحداث الإقليمية يؤكد هذه الحقيقة ما يرفع منسوب الغموض حول الاتي من الايام .
-رابعاً: تشابه أسباب التعطيل
في الموازاة يتعطل "اتفاق الإطار" اليوم بمنطق مشابه من حيث الجوهر: رفض إسرائيلي، مدعوم أميركياً، للانسحاب من جنوب لبنان قبل نزع سلاح "حزب الله" وقطع علاقته بإيران. ففي الحالتين، يُربط تنفيذ الشق الذي يعني لبنان مباشرة - اي الانسحاب الإسرائيلي - بشرط إضافي يتجاوز قدرة الدولة اللبنانية على تحقيقه بمفردها، سواء تعلّق الأمر بانسحاب قوة أجنبية أخرى كما في 1983، أو بنزع سلاح فصيل داخلي وقطع تحالفه الإقليمي كما هي الحال اليوم. وهكذا يتحول الاستحقاق اللبناني - الإسرائيلي البحت إلى رهينة معادلة أوسع لا تملك الدولة اللبنانية مفاتيحها. وما نشهده اليوم من تجاذبات يؤكد هذا الواقع المؤسف .
-خامساً: تشابه عجز الدولة ومؤسساتها
يبرز هنا العنصر الأكثر إيلاماً في المقارنة بين الاتفاقين، وهو عجز الدولة اللبنانية عن القيام بأي دور مساعد يُمكّنها من تذليل عقبة التعطيل. ففي "اتفاق 17 أيار" ، لم تكن الدولة اللبنانية، بمؤسساتها وجيشها المنهك آنذاك، قادرة على انتزاع انسحاب القوات السورية من الأراضي اللبنانية، لا عبر الضغط السياسي ولا عبر أي أداة أخرى في ظل انقسام واضح بين اللبنانيين حيال هذه المسألة ، فبقي هذا الملف خارج نطاق قدرتها الفعلية.
في الخلاصة ، يكشف هذا التقاطع بين "اتفاق 17 أيار" و"اتفاق الإطار" حقيقة جوهرية واحدة: أن القرار، في الاتفاقين معاً، لم يكن يوماً بيد الدولة اللبنانية، بل بيد أطراف أخرى تتحكم بمساره وتوقيته ومصيره. فأميركا اليوم لا تمارس ضغطاً كافياً على إسرائيل لدفعها نحو تطبيق "اتفاق الإطار " كاملاً على رغم انه يحمل توقيعها ، تماماً كما لم تكن القوى العظمى، في مطلع الثمانينيات، متوافقة في ما بينها على تسهيل تطبيق "اتفاق 17 أيار" وتذليل عقباته. وهكذا وجدت الدولة اللبنانية نفسها، في المحطتين، في مأزق واحد يعيد كشف الحقيقة ذاتها: أن سيادتها منقوصة، وأن قرار الحرب والسلم وحتى قرار تنفيذ الاتفاقات التي توقّعها بنفسها، ليس بيدها وحدها.
هذا الدرس التاريخي المتكرر يفرض على لبنان اليوم استخلاص العبر اللازمة، واعتماد استراتيجية جديدة تقوم على قدر عالٍ من الحذر واليقظة، وعدم الانجرار إلى مغامرات أو رهانات غير محسوبة النتائج، تُبنى على أوهام توازنات لا تملك الدولة اللبنانية زمامها. فالتجربتان تؤكدان أن أي اتفاق، مهما بدا متوازناً على الورق، يبقى رهينة إرادات إقليمية ودولية أكبر من حجم لبنان وقدرته، ما لم تقترن هذه الاتفاقات ببناء دولة قوية، قادرة، وموحّدة القرار، تملك من أدوات السيادة ما يكفي لأن تكون طرفاً فاعلاً لا مجرد ساحة تُطبَّق عليها تسويات الآخرين. فهل من يتعظ ؟






0 تعليق