Advertisement
لبنان خارج خط كركوك- بانياس
بالمقابل، وجد لبنان نفسه خارج هذا المشروع، رغم امتلاكه بنية تحتيّة تاريخيّة، تتمثّل بخط كركوك – طرابلس الذي لطالما شكّل امتدادًا طبيعيًّا لهذا الممر النفطي. فهل يعود غياب لبنان عن إحياء المشروع إلى اعتبارات سياسيّة وأمنيّة، أم إلى معوقات تقنيّة واقتصاديّة، أم أنّه يعكس غياب المبادرة اللبنانية في لحظة تعاد فيها صياغة خريطة ممرّات الطاقة في المنطقة؟
في قراءة لأسباب غياب لبنان عن المشروع حتى الآن، يعتبر عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الخبير الاقتصادي الدكتور أنيس أبو دياب، في حديث لـ"لبنان 24" أنّ المشكلة لا تكمن في الجهوزية التقنيّة، بل في بطء القرار السياسي. ويشير إلى أنّ مشروع إعادة تشغيل خط كركوك – بانياس، إلى جانب خط الغاز المار عبر سوريا وصولاً إلى لبنان، أصبح شبه جاهز من الناحية التقنيّة، إلا أنّ لبنان لم يواكب هذا التقدّم بالوتيرة المطلوبة. ويضيف أنّ الانطلاقة مع الإدارة السورية الجديدة كانت إيجابية، إلا أنّ هذا المسار لم يُترجم بخطوات عمليّة بالوتيرة نفسها. ويربط أبو دياب التأخير بمجموعة عوامل "منها اعتبارات سياسيّة مرتبطة باستمرار الحذر في التعاطي مع النظام السوري الجديد، إضافة إلى استعجال لبنان المضي في اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع قبرص، رغم استمرار التعقيدات المرتبطة بالنزاع التركي – القبرصي – السوري حول بعض المناطق البحريّة. كما أنّ العوامل الداخليّة اللبنانية لعبت دورًا في إبطاء القرار، في ظلّ تداعيات حربي 2024 و2026 وما خلفتاه من ضغوط على عمل المؤسسات وقدرتها على اتخاذ قرارات استراتيجيّة".
ويلفت أبو دياب إلى أنّ سوريا، رغم خروجها من نحو خمسة عشر عامًا من الحرب وما رافقها من دمار وتغيير في بنية الدولة والمؤسسات، استطاعت أن تتحرّك بسرعة أكبر من لبنان في إعادة بناء الثقة مع المجتمعين الإقليمي والدولي. ويعرب عن أمله في أن تساهم زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى واشنطن في إزالة العقبات العالقة، معتبرًا أنّ مفتاح هذا الملف لا يزال مرتبطًا بالقرار الأميركي.
ماذا سيجني لبنان إذا التحق بالممر؟
المشروع ليس مجرّد خط أنابيب، بل فرصة لإعادة تموضع لبنان اقتصاديًّا لاسيّما أنّ القدرة الاستيعابية لخط كركوك – بانياس تصل إلى نحو 450 ألف برميل نفط يوميًّا، ما يتيح للبنان، في حال إعادة تفعيل امتداد الخط نحو البداوي في طرابلس، تحويل مرفأ المدينة إلى محطّة رئيسيّة لتصدير النفط العراقي باتجاه الدول الأوروبيّة، وفق ما أوضح أبو دياب، لافتًا إلى أنّ ذلك يتطلّب رفع القدرة التشغيليّة لمرفأ طرابلس وتطوير بنيته التحتيّة، بما يفتح المجال أمام توفير فرص عمل جديدة وتنشيط الحركة الاقتصاديّة في الشمال، خصوصًا مع إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات، ما يمكن أن يشكّل رافعة لنقلة نوعيّة للمنطقة اقتصاديًّا وسياحيًّا.
كما يساهم المشروع في زيادة إيرادات الدولة من خلال رسوم العبور والرسوم الجمركيّة، بما يعزز قدرة الخزينة على تمويل المشاريع الاستثماريّة وتطوير البنى التحتيّة. كما يلفت إلى إمكانية استفادة لبنان من البنية التحتيّة القائمة في قطاع الطاقة، سواء لناحية خفض كلفة الاستهلاك الداخلي أو تعزيز قدرته على لعب دور في عمليات التصدير، ما يرفع العائد الاقتصادي الإجمالي للمشروع.
الفرصة سانحة ولكن رغم التطورات المتسارعة، لا زالت الفرصة متاحة أمام لبنان للانضمام إلى هذا المسار، ومواكبة التحوّل في خريطة الطاقة الإقليميّة، إلا أنّ اغتنام هذه الفرصة يبقى مرتبطًا، بقدرة الدولة على تسريع وتيرة الإصلاحات الداخليّة "إذ أنّ المشكلة لا ترتبط فقط بتداعيات الحروب والأزمات، بل أيضًا بالتأخّر في إقرار القوانين الإصلاحيّة المطلوبة، وفي مقدّمها معالجة الفجوة المالية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستكمال الاتفاق مع صندوق النقد الدولي".
وينتقد أبو دياب البطء في عمل اللجان النيابية وتأخّرها في دراسة مشاريع القوانين الأساسيّة "فالبلاد تحتاج إلى ورشة عمل جديّة وسريعة، تتيح لها مواكبة المتغيرات الاقتصاديّة الإقليميّة".
الدور الأميركي في إعادة تشكيل ممرّات الطاقة
لا يمكن النظر إلى إعادة إحياء خط كركوك–بانياس كمشروع نفطي تقني فحسب، بل كجزء من تحوّل أوسع في خريطة الطاقة الإقليميّة، تقوده الولايات المتحدة، بهدف تتويع مسارات نقل النفط دخول شركة "Chevron" الأميركيّة إحدى أكبر شركات الطاقة في الولايات المتحدة، على خط المشروع، يعكس الاهتمام الأميركي بهذا المسار. كما أنّ توقيع الاتفاق بين العراق وسوريا لم يكن ليتمّ لولا الدور الأميركي، لا سيما بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى واشنطن". ويرى أبو دياب أنّ أوروبا ستستفيد من هذه المشاريع، كذلك تركيا، بحكم موقعها الجغرافي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي، ستكون حاضرة في معادلات الطاقة الجديدة "إلا أنّ القيادة الفعليّة لهذه المشاريع ستبقى بيد الولايات المتحدة، التي لن تتخلّى عن دورها في إدارة ملف مصادر الطاقة في الشرق الأوسط، سواء في مواجهة النفوذ الصيني أو أيّ قوى إقليميّة أخرى".
في المحصّلة، يؤسّس مشروع كركوك–بانياس لمرحلة جديدة في إعادة رسم ممرّات الطاقة في الشرق الأوسط. وبينما تمضي دول المنطقة في تثبيت مواقعها ضمن هذه الخريطة، لا يزال أمام لبنان هامش لالتقاط الفرصة، عبر مواكبة المتغيّرات بالإصلاحات والقرار السياسي. وعندها، قد يستعيد الخط مساره التاريخي من كركوك إلى بانياس وصولاً إلى طرابلس، بما يعيد إلى الشمال دوره كمحطة رئيسية لعبور الطاقة، ويستعيد لبنان معه موقعه كبوّابة للطاقة على شرق المتوسط.








0 تعليق