ذكرى زياد الرحباني كل يوم... إلا اليوم

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لا يحتاج محبّو زياد الرحباني إلى يومٍ بعينه ليتذكّروه، فهو حاضرٌ في لحظاتهم على مدار الأيام، وساكنٌ في نقاشاتهم وافكارهم من دون  استئذان، في تفاصيل لا تمت إلى الذكرى الرسمية بصلة: في حبيب أحب حبيبته من دون مظاهر أو سطحيات، فيستعير من غير قصد "بلا ولاشي بحبك". في فقير يَندب حظه العاثر؛ فقد وُلِدَ وبقي فقيراً، ويشعر أن زياد وصف حاله قبل أن يعيشه هو بنفسه في "أنا مش كافر... بس الفقر كافر". في امرأة خذلها الحب بعدما راهنت عليه وحده لتغيير مصيرها، فتجد في "عايشة وحدا بلاك" عزاءً لا تجده في نصيحة أحد. في إنسان يواجه العنصرية بصمت لأنه اعتاد ألا يُسمَع، وفي آخر يعاني وطأة الطائفية كل صباح وهو يحاول أن يفهم لماذا ما زال انتماؤه يسبق إنسانيته، فيغني في قلبه "يا زمان الطائفية". كل هؤلاء، من دون أن يقصدوا، يستحضرون زياد الرحباني في يومياتهم ولحظاتهم الخاصة، بعيداً عن أي تاريخ أو تقويم. هذا الحضور العفوي، غير المُعلَن، هو الأصدق.

Advertisement

أما اليوم، في ذكرى عام على رحيله، فيتحوّل حضوره إلى طقس: مقالات تُكتب لأن التاريخ يقتضي ذلك، ومنشورات تُنشر لأن الزخم اللحظي يستدعيها، ثم يخفت كل هذا الصخب مع انتهاء اليوم، لينتظر ذكرى رسمية أخرى.
والمفارقة أن الرجل الذي سخر طوال حياته من المناسبات الرسمية والاحتفالات المُفرَغة من مضمونها، صار اليوم أسير المناسبة نفسها التي يُفترض أنها تكرّمه. المأساة الحقيقية، إذا جاز القول، أنه عاش كفاية ليرى تحذيراته تتحول إلى وقائع، من دون أن يمنحه ذلك أي عزاء. فمن يصدُق في وصف الانهيار قبل وقوعه لا يُكافأ عادة؛ هو فقط يحمل خبراً ثقيلاً، ويظل وحيداً في حمله حتى يتحقق أمام الجميع.

بلد لم يكتمل بعد

لم يكن "البلد" عند زياد خريطة ولا علماً يُرفع في المناسبات، فهو فكرة لم تنضج، مشروعاً معلّقاً بين وعد وخيبة. شخصياته المتلعثمة، حواراته التي لا تفضي إلى خاتمة مطمئنة، كل ذلك كان يقول شيئاً واحداً بصيغ متعددة: إن الانقسام ليس طارئاً على هذا الكيان، بل جزء أصيل من تكوينه، يعاود الظهور في كل أزمة بثوب مختلف. ولهذا، حين يستعيد اللبنانيون اليوم عباراته في نقاشاتهم اليومية، فهم يشهدون ويعترفون ضمنياً بأن الزمن لم يتحرك كثيراً عن النقطة التي تركهم زياد فيها.

اسئلة زياد المعلّقة

ومن اليوميات ايضا التي تتخطى ذكراه الرسمية،  ما طرحه زياد الرحباني طوال حياته، وبقيت أسئلته معلّقة، تبحث عبثاً عمن يملك شجاعة الإجابة: هل يُعقل أن نحبّ الوطن، من دون أن نتوقف لحظة عن العتب عليه ومساءلته ومحاسبته؟ لماذا البلد لم يصبح بلداً بعد؟ لماذا يبقى الفقير فقيراً؟ ولماذا تبقى الطائفية، رغم كل الشعارات، هي القاعدة لا الاستثناء؟ وإلى متى سيبقى سؤال "بالنسبة لبكرا شو؟" بلا إجابة، بينما "بكرا" يأكل من الأعمار ويمضي؟

 

أخبار ذات صلة

0 تعليق