Advertisement
ولا يقتصر هذا التقدير على قراءة سياسية لمسار الأحداث، بل ينعكس أيضاً في طبيعة الاستعدادات الإسرائيلية خلال المرحلة الأخيرة. فـ"تل أبيب" تتعامل مع التحولات الإقليمية باعتبارها عاملاً قد يبدّل قواعد الاشتباك، وهو ما دفعها إلى رفع مستوى الجهوزية والاستعداد لخيارات تتجاوز إدارة التصعيد المحدود، تحسّباً لإمكانية الانتقال إلى مواجهة أوسع إذا ما رأت أن الظروف أصبحت مؤاتية لذلك.
وفي ترجمة عملية لهذه الحسابات، كثّفت إسرائيل خلال الأيام الماضية عمليات الرصد والاستطلاع فوق بيروت والضاحية الجنوبية والجنوب، بالتوازي مع تحديث بنك أهدافها والاستعداد لاحتمالات تتجاوز الضربات الموضعية، إذا ما اتُّخذ القرار السياسي بالمضي نحو التصعيد.
في المقابل، لا تعكس إجراءات "حزب الله" توجهاً لفتح مواجهة جديدة، بقدر ما تعكس استعداداً لمواجهة قد تُفرض عليه. وبحسب المصادر فإنّ تكثيف الاستطلاع الإسرائيلي دفع "الحزب" إلى إعادة تموضع في عدد من المواقع، وتشديد إجراءاته الأمنية، وإجراء تغييرات في أماكن وجود كوادره وآليات التواصل ووسائل الاتصال، تحسباً لأي محاولة إسرائيلية لتنفيذ اغتيالات أو توجيه ضربات مباغتة في حال قررت "تل أبيب" الانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد.
لكن ما يجري يتجاوز الحسابات العسكرية. فالفترة الحالية تبدو بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة فرصة لمحاولة انتزاع ما لم تتمكنا من فرضه خلال الحرب. حيث أن المرحلة الفاصلة بين المواجهة العسكرية وأي اتفاق سياسي تحولت إلى مساحة ضغط مفتوحة، هدفها استنزاف البيئة الحاضنة للمقاومة، وفرض وقائع جديدة قبل أن تنضج صورة التسويات الإقليمية.
ومن هنا، تعود إلى الواجهة مشاريع تُطرح تحت عناوين أمنية وإجرائية، من بينها توسيع عمليات التفتيش داخل القرى والبلدات جنوب الليطاني، والسعي إلى منح الجهات الرسمية صلاحيات استثنائية لدخول الأملاك الخاصة تحت ذرائع مختلفة. وهي خطوات لا يمكن قراءتها باعتبارها إجراءات أمنية عادية، بل جزءاً من محاولة الالتفاف على المقاومة وتجريدها تدريجياً من عناصر القوة التي عجزت إسرائيل عن انتزاعها بالقوة العسكرية.
ولا تنفصل هذه المحاولات عن مشروع أوسع يسعى إلى فرض وقائع ميدانية جديدة تحت مسميات مختلفة، من بينها ما يُعرف بـ"المناطق التجريبية" بما يسمح بتوسيع هامش الحركة الأمنية والعسكرية جنوب الليطاني، تمهيداً لفرض معادلات جديدة على الأرض. وبالنسبة للمقاومة، فإن هذه الإجراءات لا تقل خطورة عن أي عملية عسكرية مباشرة، لأنها تستهدف البنية التي تستند إليها قبل أي مواجهة مقبلة.
وفي موازاة ذلك، تواصل إسرائيل مراقبة مناطق تعتبرها ذات أهمية عملياتية، وفي مقدمها محيط علي الطاهر ومرتفعات إقليم التفاح، بالتوازي مع الطلعات الجوية اليومية وجمع المعلومات الاستخبارية، في إطار تحضير مستمر لا يمكن فصله عن السيناريوهات التي تضعها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية للجبهة اللبنانية.
ويبقى هاجس الفتنة الداخلية حاضراً في خلفية هذا المشهد. ففرض هذه الشروط أو محاولة تنفيذها بالقوة قد يدفع إلى احتكاكات داخلية تسعى إسرائيل إلى استثمارها، إلا أن حرص "حركة أمل" و"حزب الله"، وفق المصادر، إلى جانب تمسك الجيش بدوره الوطني، شكّل حتى الآن صمام أمان حال دون انزلاق البلاد إلى مواجهة داخلية تخدم الأهداف الإسرائيلية أكثر مما تخدم أي طرف لبناني.
وفي ظل هذا الواقع، تتحرك إسرائيل على قاعدة أن الوقت لا يعمل لمصلحتها. فكلما اقتربت المنطقة من تسوية أو تفاهمات جديدة، تراجعت قدرتها على فرض شروطها بالقوة. لذلك، تبدو حريصة على استثمار المرحلة الحالية لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب، سواء عبر التصعيد العسكري أو عبر فرض وقائع أمنية وسياسية جديدة على الأرض.
ولهذا، فإن الخطر الذي يواجه لبنان اليوم لا يقتصر على احتمال اندلاع حرب جديدة، بل يكمن في سعي إسرائيل إلى استثمار اللحظة الإقليمية قبل أن تتبدل موازينها. فإذا رأت أن نافذة التحرك ما زالت مفتوحة، قد لا يكون هدفها مجرد توجيه ضربة عسكرية، بل فرض وقائع جديدة تجعل أي تسوية مقبلة تنطلق من شروطها. وعندها، لن يكون ما يجري مجرد جولة تصعيد جديدة، بل محاولة إسرائيلية لاقتناص اللحظة التي تعتقد أنها الأنسب للانقضاض.




0 تعليق