زيارة سلام إلى إسطنبول.. هل يوسّع لبنان هامش المناورة خارج المسار الأميركي؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
حملت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى إسطنبول، ولقاؤه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، عنوانًا اقتصاديًا وتجاريًا واضحًا. فقد ركّز اللقاء على الارتقاء بالعلاقات اللبنانية - التركية إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية"، وإحياء مسار اتفاقية التبادل التجاري الحر، وتوسيع التعاون في مجالات الاستثمار والطاقة والبنى التحتية، إلى جانب استمرار الدعم الإنساني التركي للبنان.

Advertisement


 

لكن توقيت الزيارة منحها دلالة سياسية تتجاوز جدول أعمالها الاقتصادي. ففي الوقت الذي كان فيه سلام يجتمع بأردوغان، كانت الولايات المتحدة توسّع حضورها في ملف الجنوب، مع وصول وفد من القيادة الوسطى الأميركية "سنتكوم" إلى بيروت وبدء اجتماعاته مع قيادة الجيش للبحث في تنفيذ الانسحاب الإسرائيلي من أولى "المناطق التجريبية"، قبل جولة المحادثات المقررة في روما خلال هذا الأسبوع.

 

هذا التزامن هو ما يمنح الزيارة دلالة ترفع الحكومة اللبنانية مستوى انفتاحها السياسي والاقتصادي على أنقرة، وهي التي تملك تأثيرًا متزايدًا في سوريا، وقنوات سياسية مفتوحة مع واشنطن، وخطابًا أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية من غالبية العواصم الغربية. فهل تحاول الحكومة توسيع شبكة علاقاتها الخارجية، ومنع حصر خياراتها السياسية والاقتصادية والأمنية بقناة دولية واحدة؟


 

اقتصاد في الواجهة وسياسة في التوقيت

 

يصعب التقليل من أهمية الجانب الاقتصادي الذي تصدّر زيارة سلام. فلبنان الخارج من حرب مدمرة، والغارق أصلًا في أزمة مالية وبنيوية طويلة، يحتاج إلى استثمارات وشركاء قادرين على الدخول في قطاعات الطاقة والنقل والبنى التحتية وإعادة الإعمار. لهذا، فإن الحديث عن إحياء اتفاقية التبادل التجاري الحر وتبادل الزيارات بين الوزراء المعنيين لا يشكّل مجرد غطاء بروتوكولي للقاء سياسي، وإنما يعكس حاجة لبنانية فعلية إلى توسيع دائرة التعاون الاقتصادي.

 

مع ذلك، لا ينفصل الاقتصاد في لبنان عن السياسة، وخصوصًا حين يتعلق الأمر بإعادة الإعمار وتمويل المشاريع الكبرى. فالدول التي تشارك في بناء الطرق وشبكات الطاقة والمرافق العامة لا تكتسب مصالح اقتصادية فحسب، وإنما تحصل تدريجيًا على حضور سياسي وقدرة أكبر على التأثير. لذلك، يمكن أن يشكّل الانفتاح على تركيا جزءًا من محاولة لبنانية لتنويع الشركاء، من دون أن يعني ذلك وجود قرار مسبق بإدخال أنقرة وسيطًا في مفاوضات الجنوب.

 

تزداد هذه القراءة وجاهة مع الخطاب السياسي الذي رافق اللقاء، إذ أكد سلام تمسك لبنان باستقلالية قراره وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها، والعمل مع الدول الصديقة من أجل وقف الاعتداءات الإسرائيلية وتحقيق الانسحاب الكامل، فيما جدّد أردوغان دعم تركيا لأمن لبنان ووحدة أراضيه وتأييده مساعي بيروت لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي. لم يقدم الطرفان هذه المواقف في صورة مبادرة تركية جديدة، لكنها وضعت التعاون الاقتصادي داخل إطار سياسي عنوانه السيادة والاستقرار، بما يعيد تقديم لبنان طرفًا يبحث عن علاقات تتجاوز ملف الجنوب، حتى في اللحظة التي يبقى فيها هذا الملف الأكثر إلحاحًا.

 

هامش مناورة أم وصاية جديدة؟

 

تبقى قدرة تركيا على التأثير الفعلي في شروط اتفاق الجنوب محدودة عمليًا، فالولايات المتحدة هي التي رعت اتفاق واشنطن، وبرعايتها تُعقد الجولة التالية من المحادثات في روما هذا الأسبوع، في حين دخلت القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" على خط التنسيق التقني واللوجستي المتصل بتنفيذ المناطق التجريبية. أما إسرائيل، فلا تزال تربط انسحابها بترتيبات أمنية ومعايير تتصل بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح "حزب الله"، بلا جدول زمني واضح.

 

 في ظل هذه المعادلة، لا تستطيع أنقرة أن تحل محل الوسيط الأميركي، مهما بلغ حجم الانفتاح السياسي بين البلدين. فهي لا تستطيع أن تضمن انسحابًا إسرائيليًا، أو أن تعدّل وحدها الآلية التي تفاوض عليها لبنان في واشنطن، أو أن تنتزع من الإدارة الأميركية موقعها المركزي. ما تستطيع تقديمه يقع في مستوى مختلف: دعم سياسي لمطلب الانسحاب الكامل، تعاون اقتصادي وإنساني قابل للتوسع، وعلاقة إقليمية لا تنتمي إلى المحور الإيراني ولا تتطابق مع المقاربة الإسرائيلية للجنوب.

 

الاشكال الحقيقي هنا لا يكمن في غياب دور تركي فاعل، فهذه المساحة قد تمنح لبنان ورقة إضافية، وإنما في احتمال أن يتحول تنويع العلاقات الخارجية إلى تعدد في المرجعيات: دور أميركي مهيمن في ملف الجنوب، وشركاء إقليميون ودوليون متنافسون في الاقتصاد والإعمار، وتأثير إيراني غير مباشر عبر موقف "حزب الله". ومن هنا فإن معيار النجاح لا يقاس بعدد العواصم التي تبدي اهتمامًا بلبنان، ولا بعدد الاتفاقات التي يمكن توقيعها مع تركيا، وإنما بقدرة الدولة اللبنانية على توظيف هذا الاهتمام الخارجي لخدمة موقف تفاوضي موحد، من دون أن يتحول أي شريك جديد إلى مرجعية موازية تُضعف موقع الدولة بدل أن تعززه.

 

قد تمنح زيارة سلام إلى إسطنبول لبنان نافذة سياسية إضافية، لكن الرهان الحقيقي يبقى في الداخل لا في العواصم الصديقة. فلبنان لم يعانِ يومًا من قلة الاهتمام الدولي بقضيته، بقدر ما عانى من عجز مؤسساته عن تحويل هذا الاهتمام إلى موقف تفاوضي واحد يخدم الدولة، عوضًا عن أن يتحول كل تقارب خارجي جديد إلى مرجعية إضافية تتقاسمها الحسابات الإقليمية المتنافسة. وبين جولة روما المقبلة، وزيارة الرئيس عون إلى واشنطن، سيظهر اختبار أولي لما إذا كان هذا الانفتاح التركي جزءًا من محاولة مدروسة لتنويع الخيارات اللبنانية، أم مجرد محطة إضافية في سلسلة تحركات خارجية متفرقة لم تتبلور بعد في سياسة واحدة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق