Advertisement
في المرحلة المقبلة، لن يكون النقاش حول حجم المساعدات فقط، بل حول شروط إدارتها. فالدول والمؤسسات المانحة، بحسب مصادر اقتصادية متابعة، ستتعامل بأوراق ضغط مالية وسياسية في آن واحد.
فالتقرير يمنحها سبباً واضحاً لربط أي دعم بآليات رقابية مسبقة، خصوصاً في الملفات التي تلامس المال العام مباشرة، من إعادة الإعمار والكهرباء والبنى التحتية، إلى المرافئ والجمارك والمشتريات العامة.
في السابق، كان لبنان يراهن على أن المجتمع الدولي لن يتركه وحيداً أمام الانهيار. اليوم، تبدو هذه الحجة أضعف. فالدول المانحة نفسها تواجه أسئلة داخلية من برلماناتها ورأيها العام: لماذا تُدفع أموال جديدة لدولة لم تثبت بعد أنها قادرة على حماية المال العام؟ وكيف يمكن تبرير تمويل مشاريع في بلد ما زالت فيه الرقابة ضعيفة والمحاسبة محدودة والتداخل السياسي داخل المؤسسات قائماً؟
المشكلة هنا لا تتعلق بنقص التمويل فقط، بل بأزمة ثقة في إدارة التمويل. وهذا هو الفارق الجوهري. فالمال يمكن تأمينه إذا وُجدت قناعة بأن إنفاقه سيتم ضمن مشاريع واضحة ودفاتر شروط شفافة ورقابة فعلية.
أما إذا بقيت الصورة كما هي، حيث الرقابة تأتي متأخرة والمحاسبة نادرة والتلزيمات محاطة بالشبهات، فإن الدعم سيبقى محدوداً أو مشروطاً أو موجهاً عبر قنوات لا تمر بالكامل بالدولة اللبنانية.وهذه هي النقطة الأخطر.
فإذا عجزت الدولة عن إصلاح أدواتها الرقابية، قد تجد نفسها على هامش عملية إعادة الإعمار، فيما تمر الأموال عبر منظمات دولية أو صناديق خاصة أو آليات إشراف خارجية. عندها لا تكون الخسارة مالية فقط، بل سياسية ومؤسساتية أيضاً، لأن الدولة ستفقد جزءاً من دورها الطبيعي في إدارة واحدة من أهم مراحل ما بعد الحرب.
مصادر رقابية ترى أن المطلوب لا يبدأ من اختراع مؤسسات جديدة، بل من تفعيل المؤسسات الموجودة وإزالة الغطاء السياسي عن المخالفات. ديوان المحاسبة، هيئة الشراء العام، التفتيش المركزي، والهيئات القضائية والرقابية، كلها أدوات قائمة يمكن أن تتحول إلى جزء من الحل إذا مُنحت صلاحيات فعلية وموارد كافية وحماية من التدخلات.
لكن هذا المسار لن يكون سهلاً. فالفساد في لبنان ليس مجرد مخالفة مالية، بل جزء من شبكة نفوذ واسعة. من التلزيمات إلى التوظيف، ومن الجمارك إلى العقارات، ومن الصناديق إلى الخدمات، تحولت الإدارة في مراحل كثيرة إلى مساحة لتوزيع المنافع السياسية والزبائنية. لذلك، فإن أي رقابة جدية ستصطدم حكماً بمن استفادوا طويلاً من غياب المحاسبة.
الحرب تضاعف خطورة المشهد. فمن جهة، هناك حاجة عاجلة إلى أموال لإعادة الإعمار ودعم البلديات والنازحين والقطاعات المتضررة. ومن جهة أخرى، قد تتحول هذه الحاجة نفسها إلى ذريعة لتمرير إنفاق سريع تحت عنوان الطوارئ والضرورة. وهنا سيكون الاختبار الحقيقي: هل تُستخدم مرحلة ما بعد الحرب لبناء إدارة أكثر شفافية، أم تفتح باباً جديداً للهدر باسم السرعة؟
الخلاصة أن لبنان لم يعد يستطيع طلب أموال جديدة بعقلية قديمة. تقرير صندوق النقد سمّى المشكلة بوضوح: الفساد منهجي ويضرب الدولة من الداخل. وإذا أراد لبنان أن يفتح باب الدعم بعد الحرب، فعليه أن يثبت أن المال العام لن يُدار بالطريقة نفسها التي ساهمت في دفع البلاد إلى الانهيار.





0 تعليق