هل يفتح "الائتلاف الأوروبي" باب التسوية الجنوبية أم سيواجه بـ "فيتو" "حزب الله"؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

فيما لا يزال الوضع في جنوب لبنان غير واضح المعالم ومفتوحاً على احتمالات أمنية متقلبة، تبدو أي مبادرة دولية، سواء كانت أحادية أو ثنائية أو متعددة الأطراف، محكومة بسقف واضح من التعقيد، طالما أنها لا تأخذ في الاعتبار التحولات العميقة التي فرضتها موازين القوى على الأرض. فالتجارب السابقة في إدارة ملفات مماثلة تشير إلى أن أي مقاربة تتجاوز الواقع الميداني أو تتعامى عن توازنات الردع القائمة، تبقى عرضة للتعثر أو لتسويات غير قابلة للحياة على المدى الطويل.

فمن جهة، تصرّ إسرائيل على تثبيت معادلة أمنية جديدة في الجنوب ترتبط، وفق خطابها الرسمي، بضمان عدم تكرار أي تهديدات انطلاقاً من الحدود اللبنانية. ومن جهة أخرى، يتمسك "حزب الله" بموقفه القائم على أن معادلة الردع التي نشأت خلال السنوات الماضية ما زالت قائمة وفاعلة، وأن أي مسار سياسي أو تفاوضي لا يراعي هذه المعادلة لا يمكن أن يحقق استقراراً دائماً، خصوصاً في ظل غياب ضمانات واضحة للانسحاب الكامل من المناطق التي تحتلها اسرائيل.

وفي هذا السياق، يكتسب الإعلان الفرنسي – الإيطالي، على هامش قمة أنتيب في جنوب فرنسا، عن السعي لتشكيل "ائتلاف دولي متعدد الجنسيات" عقب انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" في كانون الأول، أهمية خاصة، باعتباره مؤشراً إلى مرحلة جديدة من التفكير الغربي في إدارة الملف الجنوبي اللبناني. فالمبادرة، وإن قدّمت تحت عنوان "تعزيز سيادة لبنان"، تعكس في جوهرها إدراكًا متزايدًا بأن المنظومة الأمنية القائمة منذ عقود، والتي ارتكزت على وجود "اليونيفيل"، باتت في حاجة إلى إعادة صياغة أو تطوير في ضوء التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة.

لكن هذه المبادرة، بحسب مراقبين، تصطدم منذ الآن بسلسلة من الأسئلة الجوهرية، ومن بينها: كيف يمكن لأي قوة دولية جديدة أن تعمل في بيئة لا تزال فيها خطوط التماس غير مستقرة، وكيف يمكن الحديث عن تعزيز السيادة في ظل استمرار الاحتلال الجزئي لبعض النقاط الحدودية، وفي ظل تمسك طرف لبناني أساسي بسلاحه خارج إطار الدولة؟

ويشير هؤلاء إلى أن أي "ائتلاف سيادي" لا يستند إلى تفاهمات داخلية لبنانية واضحة، وإلى تفاهم إقليمي أوسع يحدد قواعد الاشتباك أو إنهائه، سيبقى أقرب إلى إطار نظري منه إلى مشروع قابل للتطبيق. فلبنان، في هذه المرحلة، لا يعيش فقط أزمة انتشار قوات أو ترتيبات حدودية، بل أزمة تعريف لدور الدولة نفسها في إدارة الأمن والحرب والسلم.

وعليه، فإن مستقبل الجنوب يبدو مرهوناً بتقاطع معقد بين ثلاثة مسارات: الميدان حيث لا تزال قواعد الاشتباك قائمة، والسياسة حيث تتنازع القوى المحلية على تعريف السيادة، والدبلوماسية الدولية التي تحاول إعادة إنتاج حلول قد لا تتطابق مع الوقائع الجديدة.

وبين هذه المستويات الثلاثة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يكون "الائتلاف الدولي" بداية مسار استقرار جديد، أم حلقة إضافية في سلسلة محاولات إدارة أزمة لم تُحسم بعد على الأرض اللبنانية؟

وفي هذا السياق، لا يمكن الجزم مسبقاً بموقف "حزب الله" بشكل دقيق ونهائي، لكن يمكن قراءة اتجاهاته المحتملة انطلاقاً من سلوكه السياسي الثابت ومن طبيعة المرحلة الحالية.

أولاً، من المرجّح أن ينظر "الحزب" إلى المبادرة الفرنسية – الإيطالية من زاويتين متوازيتين، الأولى تتعلق بكونها اعترافًا دوليًا متجددًا بضرورة إيجاد إطار أمني وسياسي جديد في الجنوب، وبأن لبنان ما زال ضمن دائرة الاهتمام الأوروبي المباشر.

أمّا من الزاوية الثانية فيبدو "حزب الله" حذرًا، إذ أنه يعتبر أن أي ترتيبات دولية خارج التفاهمات الإقليمية الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بالمواجهة أو التفاهم الأميركي – الإيراني، قد تبقى محدودة الفعالية أو غير قابلة للتطبيق الكامل.

في المقابل، يرى "الحزب" أن الترحيب اللبناني الرسمي بالمبادرة الفرنسية – الإيطالية يندرج في إطار محاولة الدولة استعادة زمام المبادرة الدبلوماسية، لكن هذا الترحيب لا يعني تلقائياً توافقاً داخلياً كاملاً على تفاصيلها أو على آليات تنفيذها، خصوصاً في ظل الانقسام اللبناني التقليدي حول مقاربة ملف الجنوب والسلاح.

بناءً على ذلك، يمكن القول إن موقف "حزب الله" المرجّح سيكون موقفاً مشروطاً ومراقبًا، وليس رافضاً بالمباشر، ولا قبولاً نهائيًا، بل انتظارًا لكيفية ترجمة المبادرة على الأرض، ولما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية الأوسع التي تبقى، في نظره، العامل الحاسم في أي تسوية تخص الجنوب اللبناني.

وعليه، لا يبدو أن "الائتلاف الدولي" المرتقب، مهما ارتفعت سقوفه السياسية والعسكرية، قادر على فرض وقائع جديدة في جنوب لبنان ما لم تتبدل أولاً قواعد اللعبة على الأرض. فالمعادلة اليوم ليست بين مشاريع دبلوماسية متنافسة بقدر ما هي بين واقع ميداني راسخ ومحاولات متكررة لإعادة صياغته من الخارج.

وبين إسرائيل التي تسعى إلى ترسيم أمنها بالنار، و"حزب الله" الذي يتمسك بمعادلة الردع كضمانة وجودية، يجد المجتمع الدولي نفسه أمام هامش ضيق للمناورة، لا يتيح سوى إدارة الأزمة لا حلّها.

وهكذا، قد لا يكون السؤال الحقيقي اليوم هو: أيّ "ائتلاف" سيخلف "اليونيفيل"، بل إلى متى يمكن للجنوب اللبناني أن يبقى ساحة مفتوحة لتجارب التسويات غير المكتملة، فيما القرار النهائي لا يزال معلّقاً بين ميزان القوة على الأرض، وميزان السياسة في الخارج؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق