كان يعرف أهالي القرى الجنوبية أن المنظر الذي ينتظرهم لن يسرّهم. ومع هذا أصرّوا على "العودة الرمزية"، ولو حتى لإلقاء نظرة على بيوتهم المهدّمة من بعيد. كانوا يعرفون أن دون عودتهم النهائية مشقات وصعوبات ومخاطر وتهديدات. وعلى رغم كل ذلك حملوا حالهم وشدّوا الرحال غير مكترثين بما أصدرته قيادة الجيش من بيانات تنصح فيها الأهالي من عدم التوجّه إلى القرى التي لا تزال تتعرّض للخطر. فما سرّ هذه اللهفة على العودة السريعة، ولو تحت الخطر؟
هذه اللهفة لا يدرك معناها وسرّها سوى الذين اختبروها خلال فترات الحرب، وأنا واحد من بين كثيرين تعرضت قريته في الجبل للجرف عن بكرة أبيها، وكنت أقصد أن ألقي نظرة عليها من بعيد، مع أن المنظر كان مؤلمًا كثيرًا، حتى أن الكنيسة لم تسلم من الأذى.
ولكن وعلى رغم أن بيوتها سويت بالأرض عادت قريتي إلى الحياة من جديد، وعاد إليها أهلها، وعادت أجمل مما كانت، وأعيد بناء كنيسة سيدة الانتقال. ولكن مع كل حجر أعيد رصفه كانت الغصّة هي المدماك الأساسي في البنيان الجديد.
وكما عادت رأس الحرف إلى الحياة بعد مصالحة الجبل هكذا ستعود الحياة إلى كل القرى الجنوبية، وسيعود الأهالي إليها، وسيعاد بناء ما تهدّم. ولكن دون تحقيق ذلك صعوبات وعوائق كثيرة، ومن بينها وأهمّها أن الإسرائيلي لن ينسحب منها قبل أن يضمن، على ما يدّعيه، أمن مستوطناته الشمالية. وهذا الأمر لن يتحقّق برأيه قبل حصر السلاح في يد القوى الشرعية اللبنانية. وهذا مسار طويل في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية.
لكن، بعيداً من الحسابات السياسية والعسكرية، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن أبناء الجنوب لا ينتظرون فقط انسحاباً إسرائيلياً أو اتفاقاً سياسياً، بل ينتظرون استعادة حياتهم الطبيعية. فالقرية بالنسبة إلى الجنوبي ليست مجرد منزل أو قطعة أرض، بل هي الذاكرة والهوية والانتماء والجذور. ولهذا السبب كانت العودة، ولو رمزية، فعلاً من أفعال التمسك بالحياة أكثر مما هي تحدٍّ للمخاطر.
غير أن العودة الكاملة لا تحتاج إلى إرادة الأهالي وحدها. فهي ترتبط أولاً بتوفير الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، وثانياً بإطلاق ورشة إعادة إعمار واسعة تتطلب إمكانات مالية هائلة. وتشير التقديرات الأولية إلى أن كلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت قد تبلغ مليارات الدولارات، وهو مبلغ يفوق بكثير قدرة الدولة اللبنانية المنهكة مالياً واقتصادياً. ولذلك، فإن أي عملية إعمار ستبقى رهناً بتوافر مساعدات عربية ودولية، وهذه المساعدات لن تأتي بسهولة ما لم تقترن بإصلاحات سياسية وإدارية وأمنية تضمن عدم تكرار الحروب والدمار.
ومن هنا، يصبح ملف السلاح أحد أبرز العناوين المطروحة على طاولة البحث، سواء في المفاوضات غير المباشرة الجارية أو في النقاش الداخلي اللبناني. فإسرائيل تربط انسحابها الكامل بضمانات أمنية طويلة الأمد، فيما يصرّ لبنان الرسمي على أن أمن الجنوب لا يتحقق إلا بانسحاب الاحتلال وتطبيق القرارات الدولية كاملة، وفي مقدمها القرار 1701. أما "حزب الله"، فيجد نفسه أمام معادلة دقيقة تتعلق بكيفية الحفاظ على دوره وموقعه في المعادلة الداخلية والإقليمية، وفي الوقت نفسه كيفية تعامله مع الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة، والتي تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة.
هذه الأسئلة لن تجد أجوبة سريعة، وقد تحتاج إلى سنوات من الحوار والتسويات. لكن ما هو مؤكد أن الأهالي الذين عادوا إلى أطلال قراهم لا يفكرون الآن في الاستراتيجيات الكبرى بقدر ما يفكرون في سقف يؤويهم، ومدرسة لأبنائهم، وكنيسة أو مسجد يعود إليهما صوت الصلاة، وحقول تستعيد مواسمها.
لقد أثبت اللبنانيون، والجنوبيون خصوصاً، أن لديهم قدرة استثنائية على النهوض من تحت الركام. وكما عادت قرى الجبل بعد الحرب، وكما انتصرت الحياة على الخراب في أكثر من محطة، فإن الجنوب سيعود هو أيضاً. لكن هذه العودة لن تكتمل إلا إذا اقترنت بإرادة سياسية صادقة تنهي منطق الحروب المتكررة، وتؤسس لدولة قوية، يكون فيها الإنسان أغلى من الأرض، والدولة أقوى من السلاح، والسلام أكثر رسوخاً من هدير المدافع.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يؤرق اللبنانيين، ولا سيما أبناء الجنوب، وهو: كيف نعيد بناء الحجر من دون أن يبقى الإنسان أسير الخوف من حرب جديدة؟
فإعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت وحديد وطرق وجسور. إنها قبل كل شيء إعادة بناء الثقة بالدولة، والاطمئنان إلى المستقبل، والإيمان بأن ما يُشيَّد اليوم لن يتحول غداً إلى ركام جديد. فالحروب لا تدمّر المنازل فقط، بل تزرع في النفوس خوفاً دائماً من المجهول، وتجعل كل مشروع حياة رهينة احتمال الانفجار المقبل.
لقد أثبت اللبنانيون مراراً أنهم قادرون على النهوض من تحت الأنقاض، وأن إرادة الحياة لديهم أقوى من الموت. لكن البطولة الحقيقية لم تعد في إعادة بناء ما تهدّم بعد كل حرب، بل في منع الحرب التالية. وهذه المهمة لا تقع على عاتق الجنوبيين وحدهم، ولا على الدولة وحدها، بل على جميع اللبنانيين الذين تعبوا من أن يكون وطنهم ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
فالسلام ليس هدنة مؤقتة، ولا توازناً هشاً بين الخوف والخوف المضاد، بل قرار وطني جامع يضع الإنسان في صلب المعادلة، ويجعل الدولة وحدها صاحبة القرار، بحيث لا يعود اللبناني مضطراً إلى أن يودّع بيته كلما تغيّرت موازين القوى في المنطقة. عندها فقط، لن تكون العودة إلى القرى مجرد عودة إلى الحجر، بل عودة إلى الحياة نفسها.
Advertisement
ولكن وعلى رغم أن بيوتها سويت بالأرض عادت قريتي إلى الحياة من جديد، وعاد إليها أهلها، وعادت أجمل مما كانت، وأعيد بناء كنيسة سيدة الانتقال. ولكن مع كل حجر أعيد رصفه كانت الغصّة هي المدماك الأساسي في البنيان الجديد.
وكما عادت رأس الحرف إلى الحياة بعد مصالحة الجبل هكذا ستعود الحياة إلى كل القرى الجنوبية، وسيعود الأهالي إليها، وسيعاد بناء ما تهدّم. ولكن دون تحقيق ذلك صعوبات وعوائق كثيرة، ومن بينها وأهمّها أن الإسرائيلي لن ينسحب منها قبل أن يضمن، على ما يدّعيه، أمن مستوطناته الشمالية. وهذا الأمر لن يتحقّق برأيه قبل حصر السلاح في يد القوى الشرعية اللبنانية. وهذا مسار طويل في المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية المباشرة برعاية أميركية.
لكن، بعيداً من الحسابات السياسية والعسكرية، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن أبناء الجنوب لا ينتظرون فقط انسحاباً إسرائيلياً أو اتفاقاً سياسياً، بل ينتظرون استعادة حياتهم الطبيعية. فالقرية بالنسبة إلى الجنوبي ليست مجرد منزل أو قطعة أرض، بل هي الذاكرة والهوية والانتماء والجذور. ولهذا السبب كانت العودة، ولو رمزية، فعلاً من أفعال التمسك بالحياة أكثر مما هي تحدٍّ للمخاطر.
غير أن العودة الكاملة لا تحتاج إلى إرادة الأهالي وحدها. فهي ترتبط أولاً بتوفير الحد الأدنى من الأمن والاستقرار، وثانياً بإطلاق ورشة إعادة إعمار واسعة تتطلب إمكانات مالية هائلة. وتشير التقديرات الأولية إلى أن كلفة إعادة بناء ما دمرته الحرب في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت قد تبلغ مليارات الدولارات، وهو مبلغ يفوق بكثير قدرة الدولة اللبنانية المنهكة مالياً واقتصادياً. ولذلك، فإن أي عملية إعمار ستبقى رهناً بتوافر مساعدات عربية ودولية، وهذه المساعدات لن تأتي بسهولة ما لم تقترن بإصلاحات سياسية وإدارية وأمنية تضمن عدم تكرار الحروب والدمار.
ومن هنا، يصبح ملف السلاح أحد أبرز العناوين المطروحة على طاولة البحث، سواء في المفاوضات غير المباشرة الجارية أو في النقاش الداخلي اللبناني. فإسرائيل تربط انسحابها الكامل بضمانات أمنية طويلة الأمد، فيما يصرّ لبنان الرسمي على أن أمن الجنوب لا يتحقق إلا بانسحاب الاحتلال وتطبيق القرارات الدولية كاملة، وفي مقدمها القرار 1701. أما "حزب الله"، فيجد نفسه أمام معادلة دقيقة تتعلق بكيفية الحفاظ على دوره وموقعه في المعادلة الداخلية والإقليمية، وفي الوقت نفسه كيفية تعامله مع الضغوط الداخلية والخارجية المتزايدة، والتي تدعو إلى حصر السلاح بيد الدولة.
هذه الأسئلة لن تجد أجوبة سريعة، وقد تحتاج إلى سنوات من الحوار والتسويات. لكن ما هو مؤكد أن الأهالي الذين عادوا إلى أطلال قراهم لا يفكرون الآن في الاستراتيجيات الكبرى بقدر ما يفكرون في سقف يؤويهم، ومدرسة لأبنائهم، وكنيسة أو مسجد يعود إليهما صوت الصلاة، وحقول تستعيد مواسمها.
لقد أثبت اللبنانيون، والجنوبيون خصوصاً، أن لديهم قدرة استثنائية على النهوض من تحت الركام. وكما عادت قرى الجبل بعد الحرب، وكما انتصرت الحياة على الخراب في أكثر من محطة، فإن الجنوب سيعود هو أيضاً. لكن هذه العودة لن تكتمل إلا إذا اقترنت بإرادة سياسية صادقة تنهي منطق الحروب المتكررة، وتؤسس لدولة قوية، يكون فيها الإنسان أغلى من الأرض، والدولة أقوى من السلاح، والسلام أكثر رسوخاً من هدير المدافع.
ويبقى السؤال الأكبر الذي يؤرق اللبنانيين، ولا سيما أبناء الجنوب، وهو: كيف نعيد بناء الحجر من دون أن يبقى الإنسان أسير الخوف من حرب جديدة؟
فإعادة الإعمار ليست مجرد إسمنت وحديد وطرق وجسور. إنها قبل كل شيء إعادة بناء الثقة بالدولة، والاطمئنان إلى المستقبل، والإيمان بأن ما يُشيَّد اليوم لن يتحول غداً إلى ركام جديد. فالحروب لا تدمّر المنازل فقط، بل تزرع في النفوس خوفاً دائماً من المجهول، وتجعل كل مشروع حياة رهينة احتمال الانفجار المقبل.
لقد أثبت اللبنانيون مراراً أنهم قادرون على النهوض من تحت الأنقاض، وأن إرادة الحياة لديهم أقوى من الموت. لكن البطولة الحقيقية لم تعد في إعادة بناء ما تهدّم بعد كل حرب، بل في منع الحرب التالية. وهذه المهمة لا تقع على عاتق الجنوبيين وحدهم، ولا على الدولة وحدها، بل على جميع اللبنانيين الذين تعبوا من أن يكون وطنهم ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.
فالسلام ليس هدنة مؤقتة، ولا توازناً هشاً بين الخوف والخوف المضاد، بل قرار وطني جامع يضع الإنسان في صلب المعادلة، ويجعل الدولة وحدها صاحبة القرار، بحيث لا يعود اللبناني مضطراً إلى أن يودّع بيته كلما تغيّرت موازين القوى في المنطقة. عندها فقط، لن تكون العودة إلى القرى مجرد عودة إلى الحجر، بل عودة إلى الحياة نفسها.











0 تعليق