Advertisement
وفيما يرى البعض أن أياً من الأطراف لم يحقق الأهداف الكبرى التي أعلنها قبل اندلاع الحرب، يعتبر آخرون أن مجرد فشل الولايات المتحدة وإسرائيل في فرض تلك الأهداف، رغم الفارق الهائل في القدرات العسكرية، يكفي للحديث عن تحول استراتيجي لا يمكن تجاهله. ومن هنا، لا يبدو الخلاف قائماً حول ما جرى فحسب، بل حول المعيار نفسه الذي يُقاس على أساسه النصر والهزيمة.
تنطلق إحدى المقاربات من فكرة أن نتائج الحروب لا تُقاس بحجم الخسائر أو بمشاهد الدمار، بل بمدى نجاح الأطراف في تحقيق الأهداف التي أعلنتها قبل اندلاعها. وبحسب مصادر دبلوماسية مطّلعة، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا من فرض الشروط التي رفعت سقفها منذ البداية، سواء في ما يتعلق بإنهاء التخصيب النووي الإيراني أو تحجيم القدرات الصاروخية أو إعادة رسم شبكة علاقات طهران الإقليمية. وفي المقابل، لم تتمكن إيران بدورها من تحقيق أهداف استراتيجية لطالما اعتبرتها جزءاً من مشروعها الإقليمي، وفي مقدمتها تقليص الوجود العسكري الأميركي في المنطقة أو فرض تغيير جذري في التوازنات القائمة. لذلك، ترى المصادر أن ما انتهت إليه الحرب لا يسمح بالحديث عن منتصر واضح بقدر ما يعكس فشل جميع الأطراف في ترجمة أهدافها الكبرى إلى وقائع سياسية نهائية.
في المقابل، تنطلق مصادر عسكرية من معيار مختلف تماماً. فالحكم على نتائج المواجهة لا يبدأ من سقف الطموحات الإيرانية، بل من حجم الأهداف التي أعلنتها واشنطن و"تل أبيب" قبل الحرب والإمكانات الهائلة التي امتلكتاها لتحقيقها. فحين تدخل قوة عظمى مدعومة بدولة نووية الحرب تحت عناوين إسقاط النظام أو إنهاء البرنامج النووي أو شل القدرات الصاروخية، ثم تنتهي المواجهة من دون تحقيق تلك الأهداف، يصبح من الصعب، وفق المصادر، تجاهل ما يعتبرونه فشلاً استراتيجياً. ويزداد هذا الاستنتاج حضوراً مع قدرة إيران على الحفاظ على تماسكها الداخلي والاستمرار في الرد طوال فترة المواجهة، ومنع خصومها من فرض الاستسلام أو تغيير قواعد اللعبة بالشكل الذي سعوا إليه.
وبين القراءتين، يبرز اتجاه ثالث يحاول الفصل بين مفهومي الصمود والنصر. فالصمود بوجه هجوم واسع النطاق ومنع الخصم من تحقيق أهدافه قد يشكل إنجازاً بحد ذاته، لكنه لا يعني بالضرورة تحقيق النصر بمفهومه السياسي والاستراتيجي الكامل. ذلك لأن الحروب الكبرى لا تُحسم دائماً في الميدان، بل في قدرتها على إنتاج واقع جديد يختلف عمّا كان قائماً قبلها. ومن هذا المنطلق، ترى مصادر متابعة أن الحكم النهائي على نتائج المواجهة لا يزال سابقاً لأوانه، وأن ما جرى قد يكون محطة ضمن صراع أطول لم تستقر نتائجه بعد.
في المحصلة، مهما اختلفت المقاربات، يبقى الثابت أن التفاهم الذي أوقف المواجهة، وضع حداً لمسار كان ينذر بانفجار إقليمي واسع، وأعاد الجميع إلى طاولة الحسابات السياسية بعد أسابيع من الرهان على الحسم العسكري. أما سؤال المنتصر والمهزوم، فسيبقى مفتوحاً ما دامت نتائج الحرب لم تتحول بعد إلى وقائع نهائية ومستقرة. فبعض الحروب تنتهي بتوقيع اتفاق، لكن معارك تفسير النتائج تبدأ بعد ذلك، وقد تستمر سنوات قبل أن يحسمها التاريخ.














0 تعليق