Advertisement
في الظاهر، تبدو الأحداث منفصلة؛ محاولة إسرائيلية للتقدم نحو مرتفعات استراتيجية تشرف على النبطية، اشتباكات عنيفة وكمائن وعبوات ناسفة، إطلاق صواريخ باتجاه مستوطنات الشمال، وتهديدات إسرائيلية باستهداف الضاحية الجنوبية. لكن عند النظر إلى الصورة الأوسع، يتضح أن هذه التطورات تتقاطع مع لحظة سياسية إقليمية نادرة، حيث يحاول كل طرف تحسين شروطه قبل تثبيت شكل المرحلة المقبلة.
تشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات الإسرائيلية سعت منذ مساء أمس إلى تحقيق اختراق في محيط "علي الطاهر"، وهي منطقة تمنح أفضلية عملياتية لمن يسيطر عليها بسبب إشرافها على النبطية وعدد من المحاور الحيوية في القطاع الأوسط من الجنوب، إلا أن محاولات التقدم واجهت مقاومة عنيفة، وسط معلومات عن استدراج قوة متقدمة إلى كمين أدى إلى سقوط قتلى وجرحى في صفوفها.
وبعد ذلك، ارتفع مستوى الغارات الجوية بصورة لافتة، في مشهد يعكس محاولة تعويض التعثر البري بالقوة النارية.
غير أن أهمية ما يجري لا تكمن فقط في طبيعة المعركة، بل في توقيتها أيضاً.
فبحسب قراءة متقاطعة لمسار الأحداث، لا تهدف العمليات البرية الإسرائيلية المستمرة ومحاولات الاندفاع نحو الأودية الحيوية، من وادي السلوقي إلى محيط النبطية، إلى فتح حرب جديدة طويلة الأمد بقدر ما تعكس محاولة لفرض وقائع ميدانية إضافية وقضم أكبر مساحة ممكنة من التضاريس قبل دخول أي اتفاق محتمل حيز التنفيذ. فكل متر يُنتزع على الأرض اليوم قد يتحول غداً إلى ورقة تفاوض أو عنصر ضغط في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي موازاة ذلك، جاء إطلاق الصواريخ باتجاه المطلة ومسكاف عام ليضيف بعداً جديداً إلى المشهد. فالتصريحات الإسرائيلية التي أعقبت العملية لم تركز فقط على لبنان أو "حزب الله"، بل حملت رسائل مباشرة إلى إيران، في مؤشر على أن المؤسسة الإسرائيلية تنظر إلى الجبهة اللبنانية باعتبارها جزءاً من معركة أكبر تدور حول مآلات التفاهمات الإقليمية المرتقبة.
هنا تحديداً تبرز أهمية المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران؛ فالمشترك بين معظم التسريبات المتعلقة بالاتفاق المحتمل يتمثل في وجود تفاهمات ترتبط بوقف الحرب في لبنان وخفض مستوى التصعيد العسكري. غير أن الحديث عن وقف الحرب لا يعني بالضرورة أن إسرائيل ستفقد فوراً كل قدرة على العمل العسكري أو أن كل الخروقات ستتوقف بين ليلة وضحاها.
ففي حال التوصل إلى تفاهم بين واشنطن وطهران، من غير المرجح أن يقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بإقفال الملف اللبناني بصورة كاملة. لكن الأرجح أيضاً أن قدرته على الحركة ستصبح أكثر تقييداً مما هي عليه اليوم. ولذلك يبدو أن إسرائيل تحاول استباق هذه المرحلة عبر تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية والسياسية قبل تثبيت قواعد اللعبة الجديدة.
الأقرب إلى الواقع أن أي اتفاق محتمل سيؤدي أولاً إلى إنهاء حالة الحرب المفتوحة التي يشهدها الجنوب اليوم، بما يشمل محاولات التقدم البري والعمليات واسعة النطاق والغارات المكثفة التي تطال مساحات جغرافية كبيرة. أما الانتقال إلى مرحلة أكثر استقراراً، تتضمن انسحاباً إسرائيلياً كاملاً ووقفاً دائماً للاعتداءات، فسيحتاج إلى مسار إضافي أكثر تعقيداً وطولاً.
ولهذا، يبدو المشهد اللبناني وكأنه يتحرك عبر مرحلتين مترابطتين لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى.
المرحلة الأولى تتمثل في وقف الحرب وتثبيت التهدئة نتيجة أي تفاهم أميركي – إيراني محتمل، بالتوازي مع بلورة مشروع لبناني داخلي جامع يعيد توحيد الموقف الرسمي حول كيفية إدارة المرحلة المقبلة. وتشير معلومات سياسية إلى أن مشاورات متقدمة قطعت شوطاً كبيراً في البحث عن رؤية لبنانية إنقاذية جامعة، تتزامن مع المسارات التفاوضية الإقليمية الجارية وتستند إلى محاولة إنتاج مقاربة داخلية موحدة للمرحلة المقبلة.
أما المرحلة الثانية، فتبدأ بعد تثبيت وقف الحرب، وتشمل الملفات الأكثر حساسية: الانسحاب الإسرائيلي، انتشار الجيش، معالجة ملف السلاح ضمن الأطر المتفق عليها، وتأمين عودة النازحين إلى مناطقهم. وهذه القضايا تشكل عملياً جوهر المرحلة اللاحقة من أي تسوية محتملة.
واللافت أن نجاح أي من المرحلتين يبقى مرتبطاً بالأخرى؛ فلا يمكن إنتاج تسوية سياسية وأمنية مستدامة في المرحلة الثانية إذا فشلت المرحلة الأولى في تثبيت وقف الحرب. وفي المقابل، فإن أي تهدئة يتم التوصل إليها قد تبقى هشة ومؤقتة إذا لم تُترجم لاحقاً إلى انسحاب إسرائيلي وترتيبات أمنية وسياسية واضحة.
من هنا، يبدو أن الصراع الحالي يدور حول خطوط التماس في الجنوب، وحول شكل التسوية التي ستلي الحرب. فإسرائيل تحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من حرية الحركة داخل لبنان حتى بعد أي اتفاق محتمل، وتسعى إلى فصل الملف اللبناني عن التفاهمات الأميركية – الإيرانية الأوسع. في المقابل، تبدو طهران أكثر تمسكاً بربط الملفات ببعضها البعض، واعتبار أن أي تفاهم إقليمي يجب أن ينعكس بصورة مباشرة على الساحة اللبنانية.
وفي هذا السياق، تبدو إحدى العقد الرئيسية مرتبطة بمحاولة كل طرف تعريف معنى "نهاية الحرب". فبينما تسعى إيران إلى ربط أي تفاهم بوقف شامل للاعتداءات وانسحاب إسرائيلي كامل، تحاول إسرائيل الحفاظ على مساحة تسمح لها بالاستمرار في العمل العسكري أو الأمني داخل لبنان حتى بعد انتهاء المرحلة الحالية من القتال.
ولهذا السبب، ستبقى المرحلة المقبلة مرتبطة بثلاثة عوامل أساسية: كيفية تعاطي الحزب مع أي ترتيبات جديدة، وموقف إيران من تطبيق التفاهمات، ومدى استعداد الولايات المتحدة للضغط على إسرائيل للالتزام بما قد يتم الاتفاق عليه.
في المقابل، يبدو أن نتنياهو يخوض معركة أخرى موازية، لا تتعلق بالميدان فقط بل بالرواية أيضاً. فالرجل يحتاج إلى إقناع الداخل الإسرائيلي بأن الضغوط العسكرية المتواصلة والعمليات المشتركة مع واشنطن هي التي دفعت طهران إلى القبول بأي تفاهم محتمل. وهذه السردية تبدو ضرورية بالنسبة له لتخفيف وقع التراجع الأميركي عن خيار التصعيد المفتوح، ولتقديم أي اتفاق مرتقب بوصفه نتيجة للقوة العسكرية لا نتيجة للقيود السياسية التي فرضتها واشنطن.
كما أن هاجس الانسحاب لا يزال حاضراً بقوة داخل العقل الأمني الإسرائيلي. فـ"عقدة عام 2000" لم تغادر المؤسسة السياسية والعسكرية في تل أبيب. ولذلك تسعى إسرائيل إلى تجنب أي مشهد يمكن أن يُفسر داخلياً على أنه انسحاب تحت النار أو تراجع غير مشروط. ومن هنا يأتي التركيز المتزايد في الإعلام العبري على ما يُسمى بالضمانات الأميركية الكبرى المرافقة لأي مذكرة تفاهم، باعتبارها الغطاء السياسي الذي تحتاجه الحكومة لتبرير إنهاء العمليات العسكرية وسحب القوات المنتشرة في الجنوب.
وفي خلفية كل ذلك، يبقى العامل الاقتصادي حاضراً بقوة؛ فإعادة الإعمار لم تعد مجرد ملف خدماتي أو مالي، بل أصبحت جزءاً من التسوية نفسها. إذ إن تأمين التمويل اللازم لإعادة بناء ما دمرته الحرب يرتبط إلى حد كبير بنجاح المرحلتين السياسية والأمنية، وبقدرة الأطراف على إنتاج استقرار مستدام يطمئن الجهات المانحة والدول المعنية بالمساهمة في إعادة الإعمار.
لهذا السبب، قد يكون من المبكر الحديث عن نهاية قريبة للأزمة اللبنانية، لكنه ليس مبكراً للقول إن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة.
وما يجري اليوم قد لا يكون الفصل الأخير من الحرب، لكنه يبدو بوضوح أحد الفصول التي ستحدد شكل النهاية عندما يحين وقتها.












0 تعليق