هذا ما ينتظره المغتربون قبل حجز تذاكرهم إلى بيروت

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
يسأل المغترب اللبناني، الذي اعتاد أن يقضي سنويًا قسطاً من عطلته الصيفية في ربوع وطنه الأم، إذا كان قادرًا على أن يحجز تذكرة سفر إلى بيروت في ظل الأوضاع الراهنة بفعل ما يتعرض له لبنان من استهدافات وتهديدات إسرائيلية، وفي ضوء رفض "حزب الله"، بلسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم، التجاوب معl المساعي الأميركية لتثبيت وقف النار؟

Advertisement

الجواب عن هواجس المغتربين، وفق بعض الأوساط الديبلوماسية والمتابعة للملف اللبناني في العاصمة الأميركية، ليس سلبياً بالكامل كما قد يوحي المشهد الميداني والتصعيد السياسي. فالإدارة الأميركية لا تزال تعتبر أن منع انزلاق الوضع إلى مواجهة واسعة يشكل أولوية أساسية، وهي تواصل اتصالاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية من أجل الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار ومنع انهيار التفاهمات القائمة، مهما كانت هشة.
وتشير المعطيات إلى أن واشنطن تدرك أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تتم عبر الضغوط العسكرية أو السياسية وحدها، بل تتطلب مقاربة أشمل تأخذ في الاعتبار الواقع اللبناني الداخلي، والتوازنات القائمة، فضلاً عن التطورات الإقليمية المتسارعة. لذلك فإن الجهود الأميركية لم تتوقف، وإن كانت تصطدم بعقبات كبيرة ناجمة عن تباعد المواقف بين الأطراف المعنية.
في المقابل، لا يخفي المسؤولون الأميركيون قلقهم من استمرار حالة المراوحة، معتبرين أن أي تأخير في التوصل إلى تفاهمات عملية يزيد من احتمالات التصعيد ويُبقي لبنان في دائرة الخطر. إلا أنهم يراهنون في الوقت نفسه على أن الضغوط الدولية والإقليمية، إضافة إلى الكلفة الباهظة لأي مواجهة جديدة، قد تدفع الأطراف كافة إلى إعادة النظر في حساباتها خلال المرحلة المقبلة.
وبين القلق المشروع الذي يعيشه اللبناني المقيم والمغترب على حد سواء، وبين الرهانات الدولية على الحلول السياسية، يبقى الأمل قائماً بأن يتمكن لبنان من تجاوز هذه المرحلة الدقيقة بأقل الأضرار الممكنة، وأن يستعيد تدريجياً مناخاً من الطمأنينة يسمح لأبنائه، أينما وجدوا، بالعودة إلى وطنهم من دون هواجس أو مخاوف.
غير أنّ ما يقلق المغتربين أكثر من أي عامل آخر لا يرتبط فقط بما يُقال في البيانات السياسية أو بما يتسرّب من أجواء المفاوضات، بل بما يرونه بأعينهم من خلال الشاشات ووسائل الإعلام. فالمغترب الذي يتابع يوميًا أخبار الغارات والاستهدافات والتهديدات المتبادلة لا يبني قراره على النوايا أو التطمينات، بل على الوقائع الملموسة. ومن هنا تكمن المعضلة الأساسية التي تواجهها الدولة اللبنانية في محاولتها إقناع أبنائها بالعودة خلال الموسم الصيفي.
فحتى الآن، لا تزال الفجوة واسعة بين المسار الديبلوماسي البطيء من جهة، والإيقاع الميداني المتسارع من جهة أخرى. فكلما أحرزت الاتصالات السياسية تقدمًا محدودًا، عادت التطورات العسكرية لتفرض نفسها على المشهد وتعيد خلط الأوراق. وهذا ما يدفع كثيرين إلى الاعتقاد بأن لبنان لا يزال في مرحلة "إدارة الأزمة" أكثر مما هو في مرحلة "حل الأزمة".
وفي واشنطن، تدرك الإدارة الأميركية أن نجاح أي تسوية في لبنان لا يقاس فقط بوقف العمليات العسكرية، بل بقدرتها على خلق مناخ من الثقة يسمح بإعادة تحريك عجلة الاقتصاد والاستثمار والسياحة. ولذلك فإن المسؤولين الأميركيين ينظرون إلى الموسم الصيفي الحالي باعتباره أحد المؤشرات العملية على مستوى الاستقرار الفعلي، وليس مجرد محطة سياحية عابرة. فكل مغترب يقرر تأجيل زيارته، وكل مستثمر يؤجل مشروعه، وكل شركة طيران تخفض رحلاتها، يشكلون في نظر صناع القرار مؤشرات مباشرة على أن الاستقرار لا يزال هشًا وغير مكتمل.
كما أن واشنطن باتت تدرك أن الملف اللبناني لم يعد منفصلًا عن مجمل إعادة ترتيب المشهد الإقليمي. فلبنان اليوم يقف عند تقاطع أكثر من مسار تفاوضي، من العلاقة الأميركية – الإيرانية، إلى مستقبل الحدود الشمالية لإسرائيل، وصولًا إلى الدور الذي يفترض أن يلعبه الجيش في أي ترتيبات أمنية مقبلة. ولذلك فإن أي تقدم في أحد هذه الملفات ينعكس تلقائيًا على الوضع اللبناني، كما أن أي انتكاسة في أحدها تعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
وفي المقابل، يراهن عدد من الديبلوماسيين الغربيين على عامل مهم يتمثل في أن جميع الأطراف باتوا يدركون حجم الكلفة التي يمكن أن تترتب على أي حرب جديدة. فلبنان المنهك اقتصاديًا قد لا يحتمل جولة إضافية من الدمار، وإسرائيل تدرك أن أي توسع كبير للمواجهة سيضعها أمام تحديات أمنية وسياسية متزايدة، فيما لا تبدو القوى الدولية مستعدة لتحمل تداعيات انفجار جديد في منطقة تعيش أصلًا على وقع أزمات متلاحقة.
لذلك، فإن الرهان الفعلي في المرحلة المقبلة لا يقوم على تحقيق اختراق دراماتيكي وسريع، بل على نجاح الجهود الدولية في منع التدهور، وتوسيع مساحة التهدئة تدريجيًا، وصولًا إلى بناء تفاهمات أكثر ثباتًا. وهذا ما يفسر تمسك واشنطن بخيار التفاوض، على رغم كل الصعوبات والعراقيل، وإصرارها على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع مختلف الأطراف المعنية.
قد لا يكون الصيف الحالي صيف الطمأنينة الكاملة التي ينتظرها اللبنانيون في الداخل والانتشار، لكنه ليس بالضرورة صيف الانفجار الكبير أيضًا. وبين هذين الحدّين، يتحرك لبنان فوق حبل دقيق من التوازنات الإقليمية والدولية، فيما يبقى الأمل بأن تنجح الديبلوماسية، ولو ببطء، في منع الحرب وتمهيد الطريق أمام استقرار يحتاج إليه اللبنانيون أكثر من أي وقت مضى.
وبعيدًا عن تلك الهواجس قد يكون افتتاح الحركة الملاحية في مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات من بين أحد الحلول الممكنة المؤثرة على قرارات الاغتراب. 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق