ما بات واضحًا بالعين المجرّدة أن لبنان، وبالتحديد جنوبه، قد بات ورقة للمساومة بيد كل من الولايات المتحدة الأميركية وإيران عبر وكيليهما، أي إسرائيل و"حزب الله"، اللذين يصرّان على امتصاص آخر نقطة دم من مقومات إمكانية عودة وقوف هذا البلد المنهك والمتهالك على رجليه مرّة جديدة، ومنعه من محاولة التطلع نحو مستقبل يبنيه أبناؤه، الذين يتركونه، على مضض ومكرهين، للبحث عن بلد مؤقت أكثر أمانًا واستقرارًا، ويؤّمن لهم فرص عمل تؤهلهم لبناء المستقبل، الذي يحلمون به.
وعلى رغم العداء التاريخي بين إسرائيل و"حزب الله" فإنهما "متفقان"، بالمعنى المجازي وليس الحصري للكلمة، على تدمير لبنان. الأولى من حيث إنها تدري ماذا تفعل، وماذا تريد أن تفعل مستقبلًا. أمّا الثاني، أي "حزب الله، ومن حيث لا يدري، يساهم في شكل أو في آخر، في الاستمرار بالسماح بتدمير ما تبقّى من الجنوب، الذي لم يعانِ على مدى سنوات ما يعانيه اليوم. وقد يكون أخطر ما في معاناة أهل الجنوب، الصامدين منهم والمهجرين والمشرّدين، اقتناعهم بأن عقارب الساعة الجنوبية لن تعود إلى الوراء، وبالتحديد إلى ما قبل 8 تشرين الأول من العام 2023.
فواشنطن، التي تبدي حرصها على أن تبقى بيروت، وبالتحديد ضاحيتها الجنوبية، في منأى عن الاستهدافات الإسرائيلية، تحاول أن تستثمر في الورقة اللبنانية قدر المستطاع في مفاوضاتها مع إيران. أمّا طهران فتسعى من جهتها إلى مدّ "حزب الله" بما يحتاج إليه من دعم معنوي، وإذا أمكن من تزويده بما تيسّر من دعم لوجستي من خلال ما يقدّمه كبار الخبراء العسكريين من خدمات ميدانية في إدارة معركة الحدّ الفاصل في نقاط التماس الساخنة، بعدما نجحت تل أبيب في إجبار "المقاومة الإسلامية" على تعديل بنك أهدافها من العمق الإسرائيلي إلى العمق الجنوبي، فباتت البلدات والقرى الجنوبية تتعرّض لقصف مزدوج، من قِبل إسرائيل و"حزب الله" بالتوازي والتساوي في إنزال الأضرار بما تبقّى من أرض الجنوب المحروقة.
لكنّ الأخطر من كل ما يجري ميدانيًا، أنّ الجنوب اللبناني يتحوّل تدريجيًا من ساحة مواجهة عسكرية إلى منطقة استنزاف طويلة الأمد، تُستخدم فيها النار والدمار وسيلة لإعادة تشكيل الواقع السكاني والاقتصادي والنفسي. فإسرائيل لا تخفي سعيها إلى خلق "حزام أمني بالنار"، حتى وإن لم تعلن ذلك رسميًا، وهي تدرك أنّ استمرار الضغط العسكري اليومي، وما يرافقه من تهجير وتدمير للبنى التحتية والمنازل ومصادر الرزق، سيؤدي مع الوقت إلى إضعاف البيئة الاجتماعية التي يستند إليها "حزب الله".
وفي المقابل، يبدو "الحزب" متمسكًا بخيار المواجهة، ولو من ضمن سقوف مدروسة، انطلاقًا من اقتناعه بأن أي تراجع ميداني أو سياسي الآن سيُقرأ إسرائيليًا وأميركيًا على أنه هزيمة استراتيجية لمحور إيران في المنطقة. ولذلك، فإنّ الجنوب بات يعيش عمليًا بين مشروعين متناقضين ظاهريًا، لكنهما يلتقيان موضوعيًا عند نقطة واحدة، وهي إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي.
أما الدولة اللبنانية، فتبدو حتى اللحظة الحلقة الأضعف في هذه المعادلة القاسية. فهي عاجزة عن وقف الحرب، وغير قادرة على فرض قرارها السيادي الكامل، فيما تتحول مؤسساتها تدريجيًا إلى مجرد شاهد على ما يحدث، وليس شريكًا فعليًا في تقرير مصير البلد. وهذا ما يفسّر تنامي الشعور لدى شريحة واسعة من اللبنانيين بأنّ وطنهم يُدار من الخارج أكثر مما يُدار من الداخل، وأنّ القرارات المصيرية المرتبطة بالحرب والسلم باتت مرتبطة بحسابات واشنطن وطهران وتل أبيب أكثر مما هي مرتبطة بمصلحة اللبنانيين أنفسهم.
ولعلّ أكثر ما يثير القلق أنّ النزف اللبناني لم يعد يقتصر على الدمار المادي أو الخسائر البشرية فحسب، بل بات يطال البنية الاجتماعية والنفسية للبلد. فالهجرة المتزايدة، خصوصًا بين الشباب وأصحاب الكفاءات، لم تعد مجرد ظاهرة اقتصادية مرتبطة بالأزمة المالية، بل تحوّلت إلى هروب جماعي من مستقبل مجهول. وهذا ما يجعل الحرب الحالية أخطر من سابقاتها، لأنها تضرب ما تبقى من ثقة اللبناني بقدرة بلده على النهوض مجددًا.
كما أنّ الجنوب، الذي كان تاريخيًا رمزًا للصمود والتمسك بالأرض، يواجه اليوم تحديًا وجوديًا مختلفًا. فالأهالي الذين عاشوا حروبًا واجتياحات متكررة يشعرون هذه المرة بأنّ حجم الدمار، وطبيعة الاستهداف، والتحولات الإقليمية الجارية، قد تجعل العودة إلى الحياة الطبيعية أكثر صعوبة من أي وقت مضى. ولذلك، فإنّ الحديث المتزايد عن "مرحلة ما بعد الحرب" لا يعكس فقط قلقًا من استمرار المعارك، بل خوفًا حقيقيًا من أن يكون الجنوب أمام واقع جديد يُفرض عليه تدريجيًا بالقوة والاستنزاف.
وفي موازاة ذلك، لا تبدو التسويات الدولية والإقليمية المطروحة حتى الآن قادرة على تقديم حلول جذرية للبنان. فواشنطن تنظر إلى الملف اللبناني من زاوية أمن إسرائيل وضبط النفوذ الإيراني، فيما ترى طهران في "حزب الله" ورقة استراتيجية لا يمكن التفريط بها بسهولة. أما اللبنانيون أنفسهم، فيجدون بلدهم عالقًا بين مشروعين أكبر منه، فيما تتآكل يومًا بعد يوم مقومات الدولة والاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا، قد يكون السؤال الأخطر الذي يواجه لبنان اليوم ليس فقط عن موعد انتهاء هذه الحرب، بل عما سيبقى من لبنان بعد انتهائها، وهل يكون ما بعد هذه الحرب شبيهًا بما قبلها، أم أنّ البلد دخل فعلًا مرحلة التحولات الكبرى التي قد تعيد رسم هويته السياسية والأمنية والديموغرافية لعقود مقبلة؟














0 تعليق