جنوب الزهراني تحت الإنذار.. هل يدخل لبنان مرحلة النزوح السياسي؟

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
لم يكن الإنذار الإسرائيلي الموجَّه إلى سكان المناطق الواقعة جنوب نهر الزهراني مجرد رسالة ميدانية تندرج في سياق الاشتباكات المتصاعدة منذ أسابيع رغم اتفاق وقف إطلاق النار. كان إعلانًا بأن الحرب انتقلت إلى مرحلة جديدة: مرحلة استخدام الجغرافيا نفسها أداة ضغط سياسي، حيث لا يقتصر الهدف على تدمير البنية العسكرية لحزب الله، إنما توسيع دائرة العجز اللبناني حتى تشمل قدرة الدولة على حماية مواطنيها وإدارة أزمة نزوح جديدة.

Advertisement

 

عمليًا، لا يُقرَأ الإنذار بتحويل المناطق الجنوبية جنوب الزهراني إلى "منطقة قتال" بوصفه إجراء عسكريا عابرًا. فحين يُطلب من سكان مدن وبلدات وقرى واسعة أن يتحركوا شمالًا، تصبح المسألة أكبر من إنذار أمني وأعمق من تهديد ميداني. إنها، في جوهرها، محاولة لدفع الجنوب إلى مرحلة جديدة من الاستنزاف، حيث لا يعود القصف وحده أداة ضغط، وإنما يصبح النزوح نفسه جزءًا من المعركة على الدولة والمجتمع والقرار السياسي.

 

وبالتوازي، لا يُقرَأ هذا الإجراء أيضًا بمعزل عن السياق اللبناني الداخلي. فهو يأتي في لحظة تعاني فيها مؤسسات الدولة من ترهّل بنيوي متراكم، وفي مرحلة ما زالت فيها ذاكرة النزوح الأول لعام 2024 حاضرة في المخيّلة الجماعية وفي سجلات الإغاثة والبلديات. من هنا، يبدو لبنان اليوم أمام اختبار مركّب. فهو لا يواجه خطر توسّع الحرب فحسب، وإنما يواجه بالتوازي معه، احتمال تحوّل الحرب إلى ضغط داخلي طويل، فما الذي يستطيع فعله للمواجهة؟

 

إنذار يتجاوز الجنوب

 

في الظاهر، يمكن قراءة الإنذار الإسرائيلي بوصفه جزءًا من التصعيد العسكري المتواصل. لكنّ مضمونه السياسي أخطر من ذلك بكثير. فإسرائيل لا تقول للبنانيين إنها ستستهدف نقطة محددة أو محيطًا عسكريًا معينًا، وإنما تدفع باتجاه تحويل جنوب الزهراني كله من "ساحة قتال" وفق توصيفها إلى مساحة قلق مفتوح، يصعب فيها على السكان معرفة ما إذا كانوا أمام تهديد مؤقت أو بداية مرحلة طويلة من التهجير المتدرج.

 

بهذا المعنى، لا تضغط إسرائيل على "حزب الله" وحده، ولا على الحكومة وحدها، وإنما تضغط على البنية الاجتماعية الجنوبية برمتها، فالمزارعون يتركون موسمهم، وأصحاب المحلات يُغلقون، والأسر تبدأ حسابات الرحيل. وهنا تبرز البلديات الجنوبية بوصفها الحلقة الأضعف في المعادلة. فهي تفتقر في غالبها إلى إمكانات لوجستية مستقلة، وتعمل في بيئة مالية متأزمة بعد سنوات من الانهيار والحرب المتكررة.

 

والأخطر من ذلك أن الإنذار يُوجِد واقعًا ديموغرافيًا وسياسيًا يصعب عكسه بسرعة. فالسكان الذين يغادرون تحت وطأة التهديد لا يعودون بمجرد انتهاء الإنذار أو حتى بمجرد وقف إطلاق النار، وإنما حين تعود البنية والأمان والاقتصاد المحلي، وهذه معادلة تستغرق سنوات. وقد يكون هذا أحد الأهداف غير المعلنة لإسرائيل، خصوصًا أنّ التهجير المتكرر يُنتج في نهاية المطاف تفريغًا ديموغرافيًا يطال الهوية الجنوبية قبل أن يطال خريطة التوازنات السياسية.

 

الدولة أمام امتحان النزوح والقرار

 

وإذا كانت إسرائيل تحاول توسيع الضغط من الميدان إلى السكان والبلديات والدولة، عشية جولة التفاوض المقررة مطلع الشهر المقبل، فإن السؤال الأكبر يبقى: ما الذي تستطيع الحكومة فعله في المواجهة؟ تستطيع أن تحتج، وتتحرك دبلوماسيًا، وتطلب ضغطًا أميركيًا ودوليًا، لكنها في الداخل ستجد نفسها أمام مسؤوليات فورية لا تنتظر نتائج الاتصالات: مراكز إيواء، مساعدات، طبابة، مدارس، طرق، أمن، واحتواء اجتماعي.

 

هكذا، تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام ملف إغاثة محتمل لا تملك له موارد جاهزة، في وقت لم تنته فيه بعد من إدارة تداعيات الموجة السابقة من النزوح. صندوق مساعدة المتضررين لم يُفعَّل بالكامل، ومخيمات العودة لم تخلُ كليًا، والمنظومة البيروقراطية التي يُفترض أن تُشغَّل في حالات الطوارئ أثبتت مرة بعد مرة أنها تعمل بطاقة أدنى بكثير مما تتطلبه الأزمات. وأمام هذا الواقع، تتحول أي موجة نزوح جديدة إلى عبء يُضاف إلى ما لم يُحلّ، لا إلى ملف يُعالَج.

 

هنا يتقاطع ملف الإغاثة بصورة مباشرة مع مسار التفاوض الجاري عبر واشنطن، ولا سيما أن الدولة التي تفشل في حماية سكانها أو إعادتهم إلى بيوتهم لا تملك زخمًا دوليًا قويًا تُدافع به عن سيادتها على الأرض ذاتها التي يغادرها أبناؤها. لذلك، تبدو الدولة مطالبة بأمرين متوازيين: إدارة الأزمة ميدانيًا، ومنع تحويلها إلى أمر واقع سياسي. الأول يحتاج إلى خطة طوارئ واضحة بين الحكومة والجيش والبلديات والهيئات الإغاثية، والثاني يحتاج إلى موقف سياسي لا يكتفي برفض التصعيد، وإنما يربط أي بحث أمني بوقف الاعتداءات، لا بتكييف الداخل اللبناني مع نتائجها.

 

في المحصلة، لا يواجه لبنان اليوم فقط خطر توسع الحرب جغرافيًا، إنما يواجه خطرًا أعمق وأبطأ: أن تتحول الحرب إلى ضغط داخلي متراكم يُنهك الدولة والمجتمع قبل أن يصل البلد إلى أي تسوية. موجة نزوح فوق موجة، وبلديات مثقلة، وحكومة تتفاوض بأوراق تتآكل، وجيش ينتشر في مساحة تضيق: هذه ليست تفاصيل هامشية تنتظر أن يحسمها الدبلوماسيون، إنما هي تحديدًا الملف الذي سيحدد ما إذا كانت الدولة اللبنانية ستخرج من هذه المرحلة بحضور فعلي في الجنوب، أم بحضور شكلي على الخريطة.
إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق