لم تعد التطورات المتسارعة في المنطقة تُقرأ باعتبارها مجرد جولة جديدة من جولات الصراع التقليدي بين الولايات المتحدة وإيران، ولا بوصفها امتدادًا للحرب المفتوحة بين إسرائيل و"حزب الله"، بل بات واضحًا أن هذه المنطقة دخلت فعليًا مرحلة انتقالية كبرى تُعاد فيها صياغة التوازنات السياسية والأمنية والعسكرية دفعة واحدة، تحت سقف تفاهمات دولية لم تنضج بالكامل بعد، لكنها تجاوزت حتمًا مرحلة جسّ النبض أو اختبار النوايا.
فالحديث المتزايد عن اقتراب التوصل إلى مذكرة تفاهم أميركية – إيرانية، برعاية باكستانية – قطرية، لا يعكس فقط رغبة الطرفين في تجنّب الانفجار الشامل، بل يكشف أيضًا حجم الإنهاك الذي أصاب جميع القوى المنخرطة في الحرب الممتدة من غزة إلى جنوب لبنان، مرورًا بالبحر الأحمر والخليج العربي.
لكن الأخطر في المشهد الحالي ليس ما يُعلن، بل ما يجري التفاوض بشأنه بصمت، ذلك أن المعلومات المتداولة عن تفاهم أوّلي يتكوّن من 14 بندًا، يتقدّم فيه الملفان اللبناني والغزّاوي على الملف النووي الإيراني، تعني عمليًا أن واشنطن لم تعد تنظر إلى البرنامج النووي بوصفه الخطر الآني الأول، بل تعتبر أن الأولوية باتت لمنع انهيار الإقليم أمنيًا واقتصاديًا قبل أي شيء آخر. وهذا التحول بحد ذاته يُعدّ انقلابًا استراتيجيًا في المقاربة الأميركية التقليدية تجاه إيران.
فالإدارة الأميركية، التي كانت حتى وقت قريب تتحدث عن "منع إيران من امتلاك القنبلة النووية"، تبدو اليوم أكثر اهتمامًا بمنع اشتعال المنطقة دفعة واحدة، خصوصًا بعدما أثبتت الحرب الأخيرة أن أي مواجهة واسعة ستؤدي إلى تهديد مباشر للممرات البحرية العالمية، ورفع أسعار الطاقة، وإدخال الاقتصاد الدولي في أزمة جديدة لا يحتملها الغرب أصلًا، في ظل الحرب الأوكرانية والتباطؤ الاقتصادي العالمي.
ومن هنا يمكن فهم الحراك الديبلوماسي المحموم الذي تشهده المنطقة، سواء عبر الوساطة الباكستانية غير المسبوقة، أو عبر الانخراط القطري المتقدم، أو حتى عبر الحضور الأوروبي المتأخر الذي بدا هذه المرة أقرب إلى محاولة حماية المصالح الاقتصادية منه إلى لعب دور سياسي فعلي.
أما إيران، فهي بدورها تتصرف انطلاقًا من معادلة دقيقة للغاية. فهي لا تريد حربًا شاملة قد تستنزف الداخل الإيراني المنهك اقتصاديًا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الظهور بموقع المتراجع أو الخاضع للشروط الأميركية والإسرائيلية. لذلك تعتمد طهران سياسة "التصعيد المحسوب"، أي رفع مستوى التهديد إلى الحد الأقصى من دون الانزلاق الكامل إلى الحرب.
وفي هذا السياق تحديدًا، يصبح التلويح بإقفال مضيق هرمز، أو توسيع دائرة الضغط نحو باب المندب، جزءًا من عملية تفاوض بالنار أكثر منه قرارًا عسكريًا نهائيًا. فإيران تدرك أن سلاح الممرات البحرية هو أقوى أوراقها الاستراتيجية، لأنه يضع العالم بأسره أمام معادلة الطاقة والتجارة الدولية، لا أمام معركة إقليمية محدودة فقط.
غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى: أين لبنان من كل هذا التحول؟
الواقع أن لبنان يبدو اليوم الحلقة الأضعف والأكثر انكشافًا في لحظة إعادة التموضع الكبرى. فبينما تتجه القوى الإقليمية والدولية نحو صياغة تسويات تحمي مصالحها، يجد لبنان نفسه غارقًا في مواجهة مفتوحة تتآكل فيها الدولة يومًا بعد يوم، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
والأخطر أن ما كان يُطرح سابقًا كخيار داخلي مرتبط بالنقاش اللبناني حول الاستراتيجية الدفاعية، بات اليوم بندًا دوليًا ملزمًا يتصل مباشرة بمصير التسوية الإقليمية نفسها. فحصرية السلاح لم تعد مجرد مطلب سيادي داخلي، بل تحولت إلى شرط دولي واضح لإعادة تثبيت الاستقرار ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ومن هنا تأتي خطورة المهلة المفترضة حتى أيلول، والتي تبدو أقرب إلى فترة اختبار دولية للبنان الرسمي: إما إثبات القدرة على تنفيذ التعهدات المتعلقة بضبط القرار الأمني والعسكري، وإما العودة إلى مرحلة التصعيد المفتوح تحت عنوان "حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها".وهذا أخطر ما في أي اتفاق مستقبلي.
وفي هذا الإطار، تبدو السلطة اللبنانية أمام أخطر امتحان منذ اتفاق الطائف. فهي مطالبة للمرة الأولى باتخاذ قرارات تنفيذية فعلية، لا الاكتفاء بصياغات سياسية رمادية أو تسويات مؤقتة. لكن المعضلة الأساسية تكمن في أن الدولة اللبنانية نفسها تبدو عاجزة حتى الآن عن امتلاك أدوات التنفيذ، في ظل الانقسام الداخلي العميق، والتشابك الإقليمي المعقد، والواقع العسكري القائم على الأرض.
أما إسرائيل، فتتعامل مع اللحظة الحالية باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في لبنان والمنطقة. فهي تدرك أن الضغوط الدولية تتجه نحو احتواء الحرب، لكنها تحاول في الوقت نفسه استثمار هذه اللحظة لفرض وقائع استراتيجية جديدة، سواء عبر الضغط العسكري المستمر، أو عبر تكريس معادلة أمنية تمنحها هامش تدخل دائم تحت شعار "الردع الوقائي، وإن كانت صحافتها تعتبر أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران على طريقة "الذئب والغنم" يعني انتصارًا لإيران في المنطقة ولـ "حزب الله" في لبنان.
لذلك، فإن المنطقة لا تقف فعليًا أمام نهاية حرب، بل أمام مرحلة انتقالية شديدة الخطورة قد تسبق التسوية الكبرى أو تؤدي إلى الانفجار الأكبر.
فالشرق الأوسط يعيش اليوم لحظة شبيهة بلحظات ما بعد الحروب الكبرى. الجميع يتفاوض تحت النار، والجميع يلوّح بالقوة في لحظة البحث عن التسوية، والجميع يدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل "تفاهم الضرورة" إلى حرب لا يريدها أحد، لكن لم يعد أحد قادرًا على منعها بالكامل.
Advertisement
لكن الأخطر في المشهد الحالي ليس ما يُعلن، بل ما يجري التفاوض بشأنه بصمت، ذلك أن المعلومات المتداولة عن تفاهم أوّلي يتكوّن من 14 بندًا، يتقدّم فيه الملفان اللبناني والغزّاوي على الملف النووي الإيراني، تعني عمليًا أن واشنطن لم تعد تنظر إلى البرنامج النووي بوصفه الخطر الآني الأول، بل تعتبر أن الأولوية باتت لمنع انهيار الإقليم أمنيًا واقتصاديًا قبل أي شيء آخر. وهذا التحول بحد ذاته يُعدّ انقلابًا استراتيجيًا في المقاربة الأميركية التقليدية تجاه إيران.
فالإدارة الأميركية، التي كانت حتى وقت قريب تتحدث عن "منع إيران من امتلاك القنبلة النووية"، تبدو اليوم أكثر اهتمامًا بمنع اشتعال المنطقة دفعة واحدة، خصوصًا بعدما أثبتت الحرب الأخيرة أن أي مواجهة واسعة ستؤدي إلى تهديد مباشر للممرات البحرية العالمية، ورفع أسعار الطاقة، وإدخال الاقتصاد الدولي في أزمة جديدة لا يحتملها الغرب أصلًا، في ظل الحرب الأوكرانية والتباطؤ الاقتصادي العالمي.
ومن هنا يمكن فهم الحراك الديبلوماسي المحموم الذي تشهده المنطقة، سواء عبر الوساطة الباكستانية غير المسبوقة، أو عبر الانخراط القطري المتقدم، أو حتى عبر الحضور الأوروبي المتأخر الذي بدا هذه المرة أقرب إلى محاولة حماية المصالح الاقتصادية منه إلى لعب دور سياسي فعلي.
أما إيران، فهي بدورها تتصرف انطلاقًا من معادلة دقيقة للغاية. فهي لا تريد حربًا شاملة قد تستنزف الداخل الإيراني المنهك اقتصاديًا، لكنها في الوقت نفسه لا تريد الظهور بموقع المتراجع أو الخاضع للشروط الأميركية والإسرائيلية. لذلك تعتمد طهران سياسة "التصعيد المحسوب"، أي رفع مستوى التهديد إلى الحد الأقصى من دون الانزلاق الكامل إلى الحرب.
وفي هذا السياق تحديدًا، يصبح التلويح بإقفال مضيق هرمز، أو توسيع دائرة الضغط نحو باب المندب، جزءًا من عملية تفاوض بالنار أكثر منه قرارًا عسكريًا نهائيًا. فإيران تدرك أن سلاح الممرات البحرية هو أقوى أوراقها الاستراتيجية، لأنه يضع العالم بأسره أمام معادلة الطاقة والتجارة الدولية، لا أمام معركة إقليمية محدودة فقط.
غير أن السؤال الأكثر حساسية يبقى: أين لبنان من كل هذا التحول؟
الواقع أن لبنان يبدو اليوم الحلقة الأضعف والأكثر انكشافًا في لحظة إعادة التموضع الكبرى. فبينما تتجه القوى الإقليمية والدولية نحو صياغة تسويات تحمي مصالحها، يجد لبنان نفسه غارقًا في مواجهة مفتوحة تتآكل فيها الدولة يومًا بعد يوم، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.
والأخطر أن ما كان يُطرح سابقًا كخيار داخلي مرتبط بالنقاش اللبناني حول الاستراتيجية الدفاعية، بات اليوم بندًا دوليًا ملزمًا يتصل مباشرة بمصير التسوية الإقليمية نفسها. فحصرية السلاح لم تعد مجرد مطلب سيادي داخلي، بل تحولت إلى شرط دولي واضح لإعادة تثبيت الاستقرار ووقف العمليات العسكرية الإسرائيلية.
ومن هنا تأتي خطورة المهلة المفترضة حتى أيلول، والتي تبدو أقرب إلى فترة اختبار دولية للبنان الرسمي: إما إثبات القدرة على تنفيذ التعهدات المتعلقة بضبط القرار الأمني والعسكري، وإما العودة إلى مرحلة التصعيد المفتوح تحت عنوان "حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها".وهذا أخطر ما في أي اتفاق مستقبلي.
وفي هذا الإطار، تبدو السلطة اللبنانية أمام أخطر امتحان منذ اتفاق الطائف. فهي مطالبة للمرة الأولى باتخاذ قرارات تنفيذية فعلية، لا الاكتفاء بصياغات سياسية رمادية أو تسويات مؤقتة. لكن المعضلة الأساسية تكمن في أن الدولة اللبنانية نفسها تبدو عاجزة حتى الآن عن امتلاك أدوات التنفيذ، في ظل الانقسام الداخلي العميق، والتشابك الإقليمي المعقد، والواقع العسكري القائم على الأرض.
أما إسرائيل، فتتعامل مع اللحظة الحالية باعتبارها فرصة تاريخية لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في لبنان والمنطقة. فهي تدرك أن الضغوط الدولية تتجه نحو احتواء الحرب، لكنها تحاول في الوقت نفسه استثمار هذه اللحظة لفرض وقائع استراتيجية جديدة، سواء عبر الضغط العسكري المستمر، أو عبر تكريس معادلة أمنية تمنحها هامش تدخل دائم تحت شعار "الردع الوقائي، وإن كانت صحافتها تعتبر أن أي اتفاق بين واشنطن وطهران على طريقة "الذئب والغنم" يعني انتصارًا لإيران في المنطقة ولـ "حزب الله" في لبنان.
لذلك، فإن المنطقة لا تقف فعليًا أمام نهاية حرب، بل أمام مرحلة انتقالية شديدة الخطورة قد تسبق التسوية الكبرى أو تؤدي إلى الانفجار الأكبر.
فالشرق الأوسط يعيش اليوم لحظة شبيهة بلحظات ما بعد الحروب الكبرى. الجميع يتفاوض تحت النار، والجميع يلوّح بالقوة في لحظة البحث عن التسوية، والجميع يدرك أن أي خطأ في الحسابات قد يحوّل "تفاهم الضرورة" إلى حرب لا يريدها أحد، لكن لم يعد أحد قادرًا على منعها بالكامل.












0 تعليق