مصر تدخل على خط الكهرباء في لبنان.. نهاية العتمة ليست سحرية

لبنان24 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف
يستعيد مشروع استجرار الغاز المصري إلى لبنان زخمه، بوصفه أحد أبرز رهانات إنقاذ اللبنانيين من العتمة، مع توقيع القاهرة وبيروت، قبل أيام، اتفاقيّة لتنفيذ أعمال إصلاح وإعادة تأهيل خطوط الغاز داخل الأراضي اللبنانيّة، عبر الشركة الفنيّة المصريّة لخدمات تشغيل خطوط الغاز"TGS". يستند المشروع إلى إعادة تشغيل "خط الغاز العربي"الذي ينقل الغاز المصري من العريش في سيناء، مرورًا بخليج العقبة إلى الأردن، ثم إلى حمص في سوريا، وصولًا إلى منطقة دير عمار في طرابلس شمال لبنان. وكان هذا المسار قد دخل الخدمة عمليًّا عام 2009، قبل أن يتوقّف تدريجيًّا ،مع اندلاع الحرب السورية وتضرر أجزاء واسعة من البنية التحتيّة للخط.

Advertisement

يعيد هذا التطور إحياء مشروع إقليمي ظلّ لسنوات عالقًا بين التعقيدات السياسية، والعقوبات الأميركيّة على سوريا، والأزمة الماليّة في لبنان، مثيرًا تساؤلات جوهريّة حيال قدرة الحكومة اللبنانيّة على تحويله إلى فرصة حقيقيّة لتحسين التغذية الكهربائيّة، وخفض كلفة الإنتاج، والحدّ من الاعتماد على الفيول المرتفع الكلفة.
بصبوص: الهيئة الناظمة مفتاح الانتقال إلى التنفيذ
الخبير في شؤون الطاقة المهندس محمد بصبوص رأى أنّ المشروع يشهد "عودة قويّة إلى الواجهة" بعد توقيع اتفاقيّة إعادة تأهيل الخطوط داخل لبنان. واعتبر، في حديث لـ "لبنان 24" أنّ تعيين الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء ينقل النقاش من مرحلة الوعود التقنية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ضمن الصلاحيات التي يمنحها القانون رقم 462 لهذه الهيئة، ما قد يمهّد الطريق لكسر الجمود المالي والسياسي الذي طال أمده. وأشار بصبوص إلى أنّ تفعيل هذا القانون بقي معلّقًا لسنوات طويلة بسبب عدم تشكيل الهيئة الناظمة، الأمر الذي عطّل عمليًا مسار الإصلاحات المطلوبة في قطاع الكهرباء.
المشروع في جوهره ليس جديدًا، إذ يعود إلى عام 2021 ايام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي حين طُرح كأحد الحلول الطارئة لأزمة الكهرباء الخانقة. وفي آب من ذلك العام، أُعلن عن إعادة إحياء مشروع نقل الغاز من مصر إلى لبنان عبر الأردن وسوريا، قبل أن تعقب ذلك سلسلة اجتماعات تقنيّة ووزاريّة لتقييم جاهزيّة البنية التحتيّة ووضع آليات التنفيذ، وصولًا إلى توقيع الاتفاق الرسمي في بيروت في 21 حزيران 2022 لاستجرار الغاز الطبيعي المصري عبر الأردن وسوريا، وصولاً إلى لبنان.
وجرت مراسم التوقيع في وزارة الطاقة والمياه بحضور الرئيس ميقاتي حيث نص الاتفاق على نقل 650 مليون متر مكعب سنوياً لتعزيز التغذية الكهربائية.إلا أنّ المشروع بقي رهينة عوائق التمويل والعقوبات والإصلاحات المطلوبة في قطاع الطاقة اللبناني. ففي تلك المرحلة، ربط البنك الدولي الإفراج عن قرض بقيمة 270 مليون دولار بتنفيذ إصلاحات أساسيّة في قطاع الكهرباء، على أن يغطّي التمويل كلفة استجرار الغاز المصري، إضافة إلى استجرار نحو 250 ميغاواط من الكهرباء الأردنية.
زيادة التغذية مشروطة بالإصلاح
بحسب بصبوص، يُنظر إلى المشروع اليوم كأحد أبرز الخيارات لتخفيف كلفة إنتاج الطاقة، موضحاً أنّ "الغاز الطبيعي أقل كلفة وأكثر كفاءة من الفيول". مشيرًا إلى انّ تشغيل معمل دير عمار بالغاز المصري يمكن أن يضيف ما بين 450 و650 ميغاواط إلى الشبكة الكهربائيّة وبحسب التقديرات التقنية، ما قد يرفع التغذية بمعدل يتراوح بين أربع إلى ست ساعات يوميًّا في المرحلة الأولى. ويشير إلى أنّ تشغيل الخط بكامل طاقته قد يسمح بتشغيل معمل دير عمار بصورة مستقرّة، مع إمكانيّة توسيع الاستفادة مستقبلاً نحو معامل أخرى، الأمر الذي يساهم تدريجيًّا في رفع الإنتاج وخفض كلفة الطاقة.
لكنه يلفت في المقابل إلى أنّ المشروع "ليس حلاً سحرياً"، موضحاً أنّ زيادة الإنتاج ستبقى محدودة الفعاليّة "ما لم تترافق مع دور فعّال للهيئة الناظمة في كبح الهدر التقني وغير التقني، وضمان وصول الطاقة المنتجة إلى المشتركين وجباية أثمانها بعدالة وشفافية".
بين جهوزية دير عمار ونقص ربط الزهراني
وعن مدى جهوزية البنية التحتيّة اللبنانية لاستقبال الغاز وضخّه نحو معامل الإنتاج، يوضح بصبوص أنّ أعمال التأهيل والصيانة للوصلة اللبنانية من "خط الغاز العربي" باتت في مراحل متقدمة بعد الأعمال التي ينفّذها الجانب المصري، مؤكّدًا أنّ معمل دير عمار يبقى "المعني الأساسي والوحيد الجاهز حاليًّ ا للاستفادة المباشرة من الغاز ضمن مسار الخط الحالي". أمّا معمل الزهراني، فرغم قدرته التقنيّة على العمل بالغاز الطبيعي، إلا أنّه لا يزال يفتقر إلى وصلة أنابيب تربطه بالشبكة الشمالية. ويلفت بصبوص إلى أنّ هذا الأمر يضع مسؤولية إضافية على الهيئة الناظمة، المناط بها ،بموجب قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 ، الإشراف على تطوير الشبكة وتوسيعها، وتأمين الاستثمارات اللازمة، لربط المعامل الصالحة بمصادر الطاقة الأقلّكلفة.
لا تمويل بلا إصلاح
وفي ما يتعلق بالتمويل، وما إذا كان البنك الدولي سيوافق على التمويل من دون استكمال الإصلاحات، يعتبر بصبوص أنّ تعيين الهيئة الناظمة شكّل "خطوة جوهريّة لكنّها ليست كافية وحدها في سجل مطالب الممولين" مشيراً إلى أن ّالبنك الدولي لا يزال يشدّد على ضرورة قيام الهيئة بدورها المستقل والفعّال لضمان استدامة القطاع. ويضيف أنّ موقف البنك الدولي لا يزال ثابتًا لجهة ربط أيّ رفع للتعرفة بتحسن ملموس في التغذية وخفض الهدر، موضحاً أنّ تحميل المواطن أعباء إضافيّة من دون معالجة التهرّب وعدم الجباية، سيؤدي إلى استمرار الخلل البنيوي "بحيث يبقى من يدفع يغطي مكان من لا يدفع. لذا سيبقى التمويل مرتبطًا بقدرة الهيئة الناظمة على فرض توازن مالي،يضمن جباية عادلة وخفضًا حقيقيًّا للخسائر الفنيّة والسرقات".
لبنان أمام فرصة لخفض كلفة الإنتاج ولكن..
اقتصادياً، يرى بصبوص أنّ تشغيل معامل الكهرباء على الغاز الطبيعي، يشكّل فرصة حقيقيّة لخفض كلفة إنتاج الكهرباء، وتقليص استنزاف العملات الأجنبيّة المستخدمة لاستيراد الفيول، كما قد يخفف جزئيًّا من تأثّر لبنان بتقلّبات أسعار النفط العالميّة، وارتفاع كلفة الفيول خلال الأزمات الإقليميّة.
ورغم ذلك، يبقى المشروع، بحسب بصبوص، مرتبطًا بحسابات جيوسياسيّة معقّدة، لجهة ضرورة الحصول على ضمانات أو استثناءات واضحة، تسمح بمرور الغاز عبر سوريا من دون تعارض مع العقوبات الأميركيّة المرتبطة بـ "قانون قيصر".
ويختم بصبوص باعتبار الغاز المصري وسيلة للإنتاج الأرخص "لكن الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء هي المحرّك الإصلاحي الذي سيحدّد ما إذا كان هذا المشروع سيتحول إلى نقطة تحوّل فعليّة ومستدامة في حياة اللبنانيين".
 
بالمحصلة، رغم ما يحمله مشروع استجرار الغاز المصري من وعود برفع ساعات التغذية الكهربائية، يبقى قطاع الكهرباء في لبنان أسير اختلالات بنيوية، فالهدر وضعف الجباية وغياب الإصلاحات الإدارية والمالية تجعل من أيّ حلّ خارجي مجرد مسكّن يصطدم بواقع داخلي مأزوم، خصوصًا أنّ وزارة الطاقة الحاليّة، ، فشلت حتّى اليوم في كسر الحلقة المفرغة التي تُعيد إنتاج الأزمة نفسها، وبقيت الحاجة قائمة إلى إصلاح فعلي قبل أيّ إنقاذ خارجي.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق